الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : تاريخ قضاة الأندلس
    المؤلف : النباهي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
قال الشيخ الفقيه العالم، قاضي الجماعة بالبلاد الأندلسية، وخطيب حضرتها العلية أعادها الله للإسلام! أبو الحسن بن الفقيه أبي محمد ابن عبد الله بن الحسين النباهي وصل الله سبحانه سعادته، وشكر إفادته! أما بعد حمد الله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، فهذا كتاب أرسم فيه بحول الله نبذاً من الكلام في خطة القضاء، وسير بعض من سلف من القضاة، أو بلغ رتبه الاجتهاد، وفيمن يجوز له التقليد ومن لا يجوز له، وصفات المفتى الذي ينبغي قبول قوله، والاقتداء به لمن ذهب إلى مقلده، وبالجاري من الفتاوى على منهاج السداد، وهل يجوز للمفتي قبول الهدية من المستفتى، أم هي في حقه من ضروب الرشاء المحرمة على الجميع.
ولست أجهل أن هذا الغرض قد سبق له غيري، وصنف في معناه أناس قبلي؛ لا كنّى رأيت أن أعيد منه الآن ما أعيده على جهة التذكرة لنفسي، والتنبيه لمن هو مثلي. وحاصل ما أريد إثباته من ذلك في هذا الكتاب يرجع على التقريب إلى أربعة أبواب. فأقول والله الموفق للصواب:
؟الباب الأول
القضاء وما ضارعه
فصل لفظ القضاء يأتي في اللغة على أنحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. يقال: قضى الحاكم إذا فصل في الحكم؛ وقضى دينه أي قطع ما لغريمه قبله بالاداء؛ وقضيت الشيء أحكمت عمله؛ ومنه قوله تعالى: " إذا قضى أمراً " أي أحكمه وأنفذه.
وخطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط؛ فإن الله تعالى قد رفع درجة الحكام، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام، حكمون في الدماء والأبضاع والأموال، والحلال والحرام. وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء: فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء. ولأجل منيف قدره في الأقدار، ولسمو خطره في الأخطار، اشترط العلماء في متوليه، من شروط الصحة والكمال، ما تقرر في كتبهم، واستبعد حصول مجموعه الأئمة المقتدى بهم. فقد نقل عن مالك بن أنس رحمه الله! أنه كان يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد؛ فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان العلم والورع، قدم. قال عبد الملك بن حبيب في كتابه: وإن لم يكن علم، فعقل وورع! فبالعقل يسئل وبه تحصل خصال الخير كلها؛ وبالورع يعف؛ وإن طلب العلم وجده؛ وإن طلب العقل، إذا لم يكن عنده، لم يجده. وقد قيل: كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل. وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قاله ابن مسعود رضي الله عنه!: وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
قال المؤلف أدام الله توفيقه!: ومن قلد الحكم بين الخلق والنظر في شيء من أمورهم: فهو أحوج الناس إلى هذا النور وإلى اتصافه بالتذكير والتيقظ والتفطن. ولذلك كان إسماعيل بن إسحاق، قاضي القضاة ببغداد، يقول: من لم تكن فيه، لم يكن له أن يلي القضاء. وقال ابن المواز: لا ينبغي أن يستقضى إلا ذكى، فطن، فهم، فقيه، متأن، غير عجول، وذكر أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يصلح للقضاء إلا القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم في حق الله، العالم بأنه، مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحق والعدل والقصد، استفاد بذلك ثمناً ربيحاً من رضوان الله!.
فصل قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام: وقد أجمع المسلمون على أن الولاة أفضل من غيرهم. وتفصيل ذلك أن الولاية تشتمل على غرض شرعي، وغرض طبعي؛ فنهى عنها من يغلبه طبعه وهواه، وأمر بها من يكون قاهراً لطبعه، غالباً لهواه. فلا يتولاها من لا يملك هواه إلا أن يتعين لها؛ فيجب عليه أن يتولاها، وأن يجاهد نفسه في دفع هواه ما استطاع. ومما يشير إلى الترغيب في الحكم لمن قدر على العدل فيه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم! " إن المقسطين عند الله يوم القيامة، على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوه. " وقوله " عن يمين الرحمن " معناه في الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة؛ والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده إلى الشمال أي المنزلة الخسيسة؛ وأما الأقساط، فهو العدل؛ يقال: أقسط إذا عدل.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية