الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : ذيل طبقات الحنابلة
    المؤلف : ابن رجب
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

عبد الحميد بن مري بن ماضي بن نامي، المقدسي الفقيه، أبو أحمد نزيل بغداد: سمع الكثير من ابن كليب وطبقته. وحدث عنه بنسخة ابن عرفة، سمعها منه الحافظ الضياء. وتفقه على المذهب. وكان حسن الأخلاق صالحاً خيراً، متودداً.
توفى في ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الأولى سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب.
قال ابن النجار: وأظنه جاوز الخمسين بيسير، رحمه الله تعالى.
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي الفقيه، الزاهد الِإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد، أخو الشيخ أبي عمر المتقدم ذكره: ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجماعيل، ووهم الدبيثي في ذكر مولده.
وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، فقرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقي، واشتغل، وسمع من والده، وأبي المكارم بن هلال، وأبي المعالي بن صابر وغيرهم.
ورحل إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغني سنة إحدى وستين، وسمعا الكثير من هبة الله الدقاق، وابن البطي، وسعد الله الدجاجي، والشيخ عبد القادر، وابن تاج الفراء، وابن شافع، وأبي زرعة، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضير، وأبي بكر بن النقور، وشهدة، وخلق كثيرة، وسمع بمكة من المبارك ابن الطباخ، وبالموصل من خطيبها أبي الفضل.
وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى، ثم توفى الشيخ، فلازم أبا الفتح بن المنى. وقرأ عليه المذهب، والخلاف والأصول حتى برع.
وأقام ببغداد نحواً من أربع سنين. هكذا ذكره الضياء، عن أمه، وهي أخت الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى بغداد سنة سبع وستين. كذا قال سبط ابن الجوزي.
وذكر الناصح ابن الحنبلي: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعاً على الشيخ أبي الفتح بن المنى، ثم رجع إلى دمشق واشتغل بتصنيف كتاب " المغني " في شرح الخرقي، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب.
وقرأه عليه جماعة وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، قال: ومشى عنى سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم.
وقال سبط ابن الجوزي: كان إماماً في فنون، ولم يكن في زمانه - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفاً عن الدنيا وأهلها هيناً ليناً متواضعاً، محباً للمساكين حسن الأخلاق، جواداً سخياً. من رآه كأنه رأى بعض الصحابة. وكأنما النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبعاً من القرآن، ولا يصلَّي ركعتي السنة في الغالب إلاَّ في بيته، اتباعاً للسنة، وأن يحضر مجالس دائماً في جامع دمشق وقاسيون.
وقال أيضاً: شاهدت من الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد: ما ترويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني حالهم أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم في دار المقامة.
وقال ابن النجار: كان الشيخ موفق الدين إمام الحنابلة بالجامع. وكان ثقة حجة نبيلاً، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكون، حسن السمت، نزهاً ورعاً عابداً على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، صنف التصانيف المليحة في المذهب والخلاف، وقصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه في البلاد، واشتهر ذكره. وكان حسن المعرفة بالحديث، وله يد في علم العربية.
وقال عمر بن الحاجب الحافظ في معجمه: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة. خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل. طنت في ذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث: فهو سابق فرسانه. وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا. وله المؤلفات الغزيرة. وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلى ووقار.
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وصار في آخر عمره يقصده كل أحد. وكان كثير العبادة دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه.

(1/237)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية