الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
    المؤلف : المحبي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وحكى لي الأخ الشيخ مصطفى أنه حضر دروسه في الجامع الصغير للسيوطي بالأشرفية قال واتفق أني دخلت عليه يوم عيد في بيته أعيده وأعوده وهو مريض مرض الموت وكان له ولد صغير فلما خرجت من عنده أعطيته شيئا من الدراهم فرجع إلي والده فأخبره فناداني وقال لي في الجنة باب يدخل منه مفرحو الأطفال أرجو الله تعالى أن تكون منهم قال ورأيت بخطه من شعره قوله
صادني خشف ربيب ... فاتن بالحسن يسمو
ظن عذالي سلوى ... إن بعض الظن إثم
وكانت وفاته بمصر في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وألف رحمه الله تعالى عبد الباقي بن يوسف بن أحمد شهاب الدين بن محمد بن علوان الزرقاني المالكي العلامة الإمام الحجة شرف العلماء ومرجع المالكية وكان عالما نبيلا فقيها متبحرا لطيف العبارة ولد بمصر في سنة عشرين وألف وبها نشأ ولزم النور الاجهوري سنين عديدة وشهد له بالفضل وأخذ علوم العربية عن العلامة يس الحمصي والنور الشبراملسى وحضر الشمس البابلي في دروسه الحديث وأجازه جل شيوخه وتصدر للإقراء بجامع الأزهر وألف مؤلفات كثيرة منها شرح على مختصر خليل تشد إليه الرحال وشرح على العزية وغير ذلك وكان رقيق الطبع حسن الخلق جميل المحاورة لطيف التأدية للكلام وكانت وفاته ضحى يوم الخميس رابع عشرى شهر رمضان سنة تسع وتسعين وألف بمصر ودفن بتربة المجاورين عبد الباقي شاعر الروم وحسانها الأديب الشاعر الفائق الشهير بباقي كان أوحد أهل عصره في الفضل والأدب وله الشهرة الطنانة في الشعر البليغ وأهل الروم يطلقون عليه سلطان الشعراء فيما بينهم وذكر مبدأه أنه كان يتعانى حرفة السروج ثم تركها وتشبث بأذيال العلوم واشتغل على كثير من علماء وقته ووصل آخرا إلى شيخ الإسلام أبي السعود العمادي فواظب على درسه وفاز منه بالملازمة العرفية وما زال صيته يسمو بحسن الشعر حتى وصل إلى مسامع السلطان سليمان فالتفت إليه وصيره مدرسا ولم يزل يترقى في المدارس إلى أن وصل إلى إحدى المدارس السليمانية ثم عزل عنها بلا موجب وأدركته حرفة الأدب ثم بعد مدة ولى المدرسة السليمية بدار السلطنة وولى منها قضاء مكة المشرفة ثم نقل إلى قضاء المدينة المنورة وعزل عنها فأقام معزولا عدة سنين ثم استقضى بدار السلطنة ونال بعد ذلك قضاء العسكرين مرة بعد مرة وقد ذكره المولى عبد الكريم بن سنان في تراجمه فقال في وصفه كان ذا بيان عذب ولسان عضب حل عقد الفصاحة بما قيده وبيض وجه البلاغة بما سوده نفث في عقود العقول بسحره وطار إلى الأقطار هزار شعره له منظوم أرق من الدمع ومنثور يقتطف ببنان السمع
بكل لفظ كأنه نفس ... غير ممل لطول ترديد
حلى جيد الزمان بفرائد قلائده وما الدهر إلا من رواة قصائده سارت بأشعاره الصبا والقبول وصادفت من الناس مواقع القبول كأنها نفس الريحان وأزهاره تمزجه صبا الأصائل من أنفاس نواره فكأن مداد دواته من غاليه إذ أصبحت أسعار أشعاره غاليه ألفاظ كما نورت الأشجار ومعان كما تنفست الأسحار إذا ألبس قلمه ثوب المداد عرى من الفصاحة قس إياد ولو جاراه الكميت في حلبة البلاغة لكان قصاراه التقصير ولو ناظره ابن برد لقيل له هل يستوي الأعمى والبصير فيا له من شعر سار مسير الأمثال وبلغ ما بلغ الصبا والشمال يكاد يخرج من حد الشعر إلى حد السحر شفت ظروف حروف مبانيه فنمت على سلافة لطافة معانيه كما نم الزجاج على الرحيق والنسيم على شذا الروض الأنيق وكان ذا نفس أبيه وهمة وحميه يجاهر في سب أعيان زمانه من أضرابه وأقرانه بل كان لا يسلم من عضب لسانه أحد ولا يدرك له غاية ولا حد فربما أصبح كذلك وهو بإحرام الحرمان مشتمل أشبعتهم سبا وفازوا بالإبل وكانت صحبته أحلى من قبلة الحبيب وغفلة الرقيب انتهى قلت وبالجملة فهو نادرة الزمان وواحد الروم في الشعر ومع كثرة شعره بالتركية والفارسية لم أظفر له من شعره العربي إلا بهذين البيتين التوأمين وهما قوله
لم يبق منا غير آثارنا ... وتنمحي من بعد أخلاق
وكلنا مرجعنا للفنا ... وإنما الله هو الباقي
ثم وقفت له على هذا البيت الفذ قاله في هجاء ابن بستان الرومي وهو قوله
وإذا أشرت إلى كذوب مفتر ... فالى ابن بستان بكذاب أشر

(1/500)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية