الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
    المؤلف : المحبي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان بدمشق خطيب في الجامع الأموي وكان أعرج أعوج متهما في العقيدة وفي الأفعال وهو شرف الدين محمود بن يونس الطيب وكان مع جهله يتعرض للفتيا وكان للناس يعدون ذلك من البلوى فكتب يوماً على بعض أحكام قاضي القضاة بالشام مصطفى بن بستان أنه باطل ومن حلي الحقيقة عاطل فجمع عليه العلماء وكتب فيه رسالة بالجهل بعض توابع القاضي المذكور وهو الفاضل أحمد بن اسكندر الرومي وكتب عليها غالب علماء البلدة فمن جملة من كتب عليها السيد صاحب الترجمة وصورة ما كتبه الحمد لله الذي أيد الحق بالبرهان القاطع وأظهر الدين وقع كل فاسق مخادع والصلاة والسلام على رسوله المصطفى الذي ما زال عن الشريعة يدافع حتى أزال الظلام وبدا وجه الحق بالنور الساطع وعلى آله الذين هم طراز المحافل وعلى صحبه ما ارتفع الحق وخفض الباطل وبعد فقد وقفت على رسالة التي سارت بسيرتها الركبان وتناقلها أكابر الفضلاء في هذا الزمان فوجدتها غريبة المثال معربة عن قائلها بأن لسان الحال أفصح من لسان المقال قد تضمنت ما انطوى عليه هذا الغمر من القبائح وما انتشر منه في هذا العمر القصير من الفضائح فإنه قد امتطى غارب الجهل والعناد وانتضى حسام الزور والشرة بين العباد وأخذ أموال الناس وتوصل بها إلى الحكام وحصل ضرره وفساده في الأرض للخالص والعام ومشى على غير استقامة حسا ومعنى وأنشد قول القائل في ذلك المعنى:
من يستقم يحرم مناه ومن يزغ ... يختص بالاسعاف والتمكين
أنظر إلى الألف استقام ففاته ... عجم وفاز به اعوجاج النون
تصدر للفتيا مع أنه أجهل من توما الحكيم وأنصف حماره ابن حجيج فركبه في الليل البهيم قد فتح فاه بجهله وصدر فتياه بقوله الحمد لله سبحانه والشكر لله تعالى شأنه ولم يميز في السجعين بين الفاعل والمفعول فكأنه اشتغل بباب البدل مع حبه فحصل له بروحه هذا الذهول لأنه رأى في كتب النحو المهذبه أن الفاعل ما اسند إليه فعل فظنه بهذه المرتبه ولو سئل لأبرز من ضميره هذا الخاطر وحلف بأبي عمرة أن هذا هو الظاهر ولقد شهدته حضر بمجلس قاضي القضاة بدمشق الشام مع واسطة عقد الفضلاء الكرام وبدر الليالي وشمس الأيام الشيخ حسن ابن محمد البوريني فدار بينهما الكلام حتى ذكر في أثناء كلامه ولا رجل لغوي ففتح اللام في المنسوب فقال له البدري حسن أنك لغوي مبين وانفضح في ذلك بين العالمين فيا ليت شعري بهذه الرتبة السافله والدرجة النازله يروم أن يرقى المراتب العليه بل هذا دليل على أنه أجهل البريه:
لا يستوي معرب فينا وذو لحن ... هل تستوي البغلة العرجاء والفرس
وطالما عرج على درج المنبر وجعل أمرده أمامه ولولا التقية لجعله أمامه وما تلفت على أعواد المنبر يميناً وشمالاً إلا ليقتنص ظبياً أو يصيد غزالاً وإذا ترنم وأظهر الخشوع واهتز لغير طرب وأجرى الدموع فلا جل مليح يراه عند المحراب ولم يستطع أن يشافهه بالخطاب أو ليخدع بعض الحضار من الاتقياء الأخيار فأنشدته ارتجالاً وأنفاسي تتصعد ومهجتي بنار الكمد تتوقد:
أفاضل جلق أين العلوم ... وأين الدين مات فلا يقوم
يجاهركم خطيبكم بفسق ... ويفتي فيكم توما الحكيم
أبالحب والخب ترجو الرفعة على الأنام أم بالرشوة والتزوير تنال الرتب في هذه الأيام أم بالسعي في إبطال حق وحقيقة باطل شتان بين من تحلى بالفضائل وبين من هو منها عاطل وما كفاك أخذك التدريس بالتدليس وخوضك في الفتن التي فقت بها على إبليس حتى دخلت على العلماء من غير باب ورددت أقوال الفضلاء بغير صواب كأنه خطر في زعمك الفاسد وفكرك القبيح الكاسد أن الله قبض العلماء ولم يبق منهم أحد واتخذ الناس رؤساء جهلاء في كل بلد فتصل الناس كما ضللت وتعديت وتنفق بضاعتك الكاسدة بقولك أفتيت وفيه:
قولوا لأعرج جاهل متكبر ... قد جاء يطلب رفعة وتكرما
دع ما تروم فإن حظك عندنا ... تحت الحضيض ولو عرجت إلى السما

(3/21)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية