الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي
    المؤلف : العصامي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي يوم الثلاثاء ثاني رجب الحرام، دخل سلطان من سلاطين الأعجام، وقد كان أرسل له مولانا الشريف سعد إلى جمة رسله يهنونه بالسلامة، ويبلغونه التحية والكرامة، وصحبتهم خمس أو ست من التخوت، وتوجه إليه مفتي الإسلام، والخطيب ببلد الله الحرام القاضي إمام الدين ابن القاضي أحمد المرشدي، ولاقاه من نحو مرحلة، وقابله بالتحية والإكرام، وجاء معه ودخل به المسجد الحرام من باب السلام.
وأرسل مولانا الشريف إليه هدية سنية، وأنزله في بيت من بيوت آبائه الأسلاف الزكية. ثم بعد ذلك أرسل السلطان المذكور لحضرة مولانا الشريف مقابلا لما أهداه له من الإنعام مالاً جزيلاً من الذهب والفضة، وكذلك جاء من سلطان الهند مال عظيم في هذه الأيام، فذهب الضيق والتعب من القلوب والأجسام.
وفي يوم الأربعاء رابع عشري رجب المذكور: انتقل بالوفاة إلى رحمة مولاه مولانا وسيدنا ومأوانا وسندنا شيخنا شيخ الإسلام والمسلمين، خاتمة الأئمة المحققين، خادم حديث سيد المرسلين، الجامع بين الأصول والفروع، الحافظ لكل متن ومجموع، الحائز فضيلتي العلم والنسب، الحائز طرفي الكمال الغريزي والمكتسب، رئيس العلوم العبقري، جار الله أبو مهدي عيسى بن محمد بن محمد الثعالبي الجعفري، الهاشمي نسباً، المالكي مذهباً، المغربي منشأً ومولداً الحرمي وطناً ومحتداً. إمام الحرمين الشريفين، وعلم المغربين والمشرقين. جامع أشتات العلوم النقلية، ومبرز خفايا لطائف الآراء العقلية، محمي رسوم الرواية بعد ما عفت آثارها، ومشيد مبانيها بعد ما انهار منارها، وسالك مسالك أئمة السلوك، ومالك ملاك أمره في مجانبة كل مليك ومملوك. ولد ببلده ونشأ بها على اشتغال عظيم بالعلوم النافعة. وأخذ عن عدة مشايخ في علوم عديدة.
قلت: هو شيخي الذي تخرجت به في عدة من الفنون إتقاناً، عقائداً وأصولاً ونحواً وصرفاً ومنطقاً وبياناً. تغمده الله برضوانه، وأحله فسيح جنانه. آمين.
وفي اليوم السابع والعشرين من رجب المذكور آخر النهار وقع بين عسكر المدينة، وبين العرب قتال زاغت فيه الأبصار، وكان من العصر إلى وقت الاصفرار.
فلما أقبل الليل وأدبر النهار، تفرق الجمعان، وبات عسكر المدينة في غاية التنبه والاحتدار، طول ليلهم بالبندق إلى وقت الأسحار.
وكان القتلى من العرب نحو خمسة عشر رجلاً. فلما أصبح الصباح، ونادى منادي الفلاح، حفروا لهم حفرة نحو السبيل، ودفنوهم بها، وقتل من أهل المدينة حران وعبدان. بذلك تواتر الخبر عن غير واحد من الإخوان.
وهؤلاء العرب من قبيلة تعرف بحرب، ولم نعلم حرب هذا جدهم لمن ينسب، الى أي جيل يحسب. وهم جمع كبير يشتمل على قريب من خمسين فخذاً كل فخذ يشتمل على جماعة لهم جد خاص، وعليهم الدرك في حفظ الطريق من عسفان إلى المدينة الشريفة.
والشيخ الذي جماعهم عليه وانتماؤهم إليه كان يسمى أحمد بن رحمة، أفاض الله عليه الرحمة.
ولما أقبل الليل منعهم شيخهم المذكور عن القتال، وردهم إلى المحل المسمى بذي الحليفة شرعاً، وبأبيار علي عرفاً. ثم أرسل له كبير المدينة الشريفة بالطلب والأمان، فتوجه إليهم، ومعه جمع من العربان، فجعل الفريقان يختصمان، ويدعي كل منهما على الآخر بالبدء بالعدوان، على يد الأفندي، وشيخ الحرم والأعيان. فأصلحوا بينهما وانقطع النزاع عنهما، وألبس الشيخ خلعة نفيسة، وألبس بعض خواصه جوخاً، على أن ما مضى لا يعاد، بذلك وقع الاتفاق والأمان. ونادوا على القافلة بالرحيل، مع التعزيز والتبجيل.
ثم دخل شهر شعبان المعظم وكان بالأربعاء، وفي خامسه وصل رسول من باشا مصر المحروسة إلى حضرة مولانا الشريف يبشره بالنصرة المأنوسة لمولانا السلطان محمد خان أيده الله بالسعد المديد، على أهل الشرك والطغيان أرباب مالطة وكريد. فألبسه مولانا الشريف خلعة ثمينة، ونادى مناديه سبع ليال بالزينة، وذلك على القواعد القديمة، وحصلت بذلك للمسلمين بشرى عظيمة.

(3/56)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية