الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : ترتيب المدارك وتقريب المسالك
    المؤلف : القاضي عياض
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذكر فضائله وخبره
كان زياد إذا بعث معاوية بن صالح القاضي شيئاً وكان أبا زوجته إلى داره، لم يأكل شيئاً منه. وكان زياد ناسكاً ورعاً، رواه الأمير هشام على القضاء فأبى عليه وخرج هارباً بنفسه. فقال هشام: ليت الناس كلهم كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا. ثم أمنه فرجع إلى قرطبة، وكان هشام يقول: بلوت الناس فما رأيت رجلاً يكتم من الزهد أكثر مما يظهر إلا زياداً. وذكر يحيى بن إسحاق أن هشاماً لما ولي قيل له: لا يعتدل ما تريد، إلا بتولية زياد على القضاء. فبعث إليه فتمنع، فألح هشام عليه، فقال للوزراء: أما إذا عزمتم فأخبركم بما ابتدأ به، على المشي إلى مكة إن وليتموني إ، جاءني أحد متظلماً منكم إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه، ورددته عليه وكلفتكم البينة، لما أعرف من ظلمكم. فتركوه وأشاروا بإعفائه فعوفي، فقيل ليحيى بن يحيى أهو وجه القضاء؟ قال: نعم، فيمن عرف بالظلم والقدرة. وكان الأمير هشام يؤثر زياداً ويكرمه ويسهم إليه ويخلو به ويسائله عما يعن إليه من أمور دينه. فيأخذ برأيه ويبالغ في بره، ويدفع إليه المال يتصرف به، وربما اجتاز به ليلاً فيخرج إليه ويسلم عليه ويحادثه.
وذكر الصدفي: أنه عرض عليه أخذ مال ليفرقه فأبى. وذكر أنه حضر عنده يوماً غضب فيه على خاصة له، أوصل إليه كتاباً كرهه، فأمر بقطع يده، فقال زياد: أصلح الله الأمير. فإن مالك بن أنس حدثني في خبر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إن من كظم غيظاً يقدر على إنفاذه ولاه الله أمناً وإيماناً يوم القيامة. فسكن غضب الأمير، وقال له: أحسنت. إن مالكاً حدثك به. فأمر الأمير أن يمسك عن يد الخادم، وعفا عنه. وذكر أن زياداً راكب الأمير الحكم، وقد أردف زياد ولده خلفه، منصرفين من جنازة ووصل محادثته الأمير إلى أن وصل القنطرة، فسمع المؤذن فقطع زياد حديثه وقال: معذرة إلى الأمير أصلحه الله، إنا كنا في حديث عارضه هذا المنادي إلى الله تعالى. ولا يجوز الإعراض عنه، فهو أحق بالإجابة وإن اجتمعنا قدرنا على تتميم الحديث إن كانت بنا إليه حاجة. وسلم عليه فدخل الجامع من باب القنطرة واستقام الأمير إلى القصر. قال يحيى: كان زياد واحد زمانه، زاهداً ورعاً وأتاه هشام ليلاً في خاصته فقرع عليه الباب فخرج فعرف به، ففتح له وسلم عليه، وسأله عن سبب مجيئه، فقال: طلب التفرد بك، وهذا مال طيب وأشار إلى مال يحمله الفتى أردت التزلف به فأتيتك به لتضعه حيث تراه. فقال له زياد: تجد من هو أقوم لك بذلك وأعرف بأهله. وسمى له قوماً من صلحاء الناس، فأبى هشام إلا إياه، فلم يقدر عليه إلى أن حلف أن له بفعل. فاستحياه هشام وخرج بماله، وهو يقول: اللهم أعني على طاعتك بمثل هذا. قال حبيب: كنا جلوساً عند زياد فأتاه كتاب من بعض الملوك بعد مدة، فكتب فيه ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول. فقال زياد أتدرون عم سأل صاحب هذا؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة، من ذهب هي أم من ورق؟ فكتبت إليه، حدثنا مالك عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

(1/124)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية