الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : ترتيب المدارك وتقريب المسالك
    المؤلف : القاضي عياض
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أسبغ على عباده بفضله نعماً لا تحصى، وقدر على ما شاء بعدله أن يطاع ويعصى، وعين بين أهل الجنة والنار بقضيتي القضاء، وميز في ظهر آدم بين طائفتي السعادة والشقاء، ثم انتقى منهم ليتمم عدله خواص وأصفياء، وجعل فيهم رسلاً وأنبياء، ليوضح بهم لمن أراد هداية منهاجه، ويقيم على من صد عنه وصرف عن آياته حجاجه، فبذلوا في ذاته جدهم، ونصحوا العباد جهدهم، إلى أن اختار الله تعالى لهم ماعنده وقضى كل واحد منهم ما كتب له من أثر ومدة، عليهم من صلوات الله ما لا يحيط به حصر ولا عدة، ثم تمم الله على المؤمنين بفضله، وختم أنبياؤه ورسله، بأرجحهم ميزاناً، وأرفعهم مكاناً، وأكرمهم أخلاقاً، وأطيبهم أعراقاً، وأطولهم في الفضائل باعاً، وأكثرهم أمة وأتباعاً، أبي القاسم، سيد ولد آدم، صلى الله عليه وسلم، كما شرف وكرم، فجاهد في الله حق جهاده، وزايل الجلايل الصعبة في إرشاد عباده، حتى أقاموا على سواء محجته، وأخذهم طوعاً وكرهاً ببالغ حجته، وسافهم في السلاسل إلى جنته، ودخلوا في دين الله أفواجاً بدعوته، فأنجز الله به وعده، وعبد تعالى وحده، وخصه بخير أمة أخرجت للناس، وآزروه في إقامة شرعة في حياته، وخلفوه في حياطته وحمايته بعد وفاته، نص في غير موطن على تفضيلهم، وأمر بالاقتداء بهم، وتوعد على اتباع غير سبيلهم، بوأهم دار وحيه، ومأوى دينه، ومتبوى شرعه، ومهبط ملائكته، ومهاجر نبيه، ومنزل كتابه، ومختم مثوى رسله، ومجثم الخير كله، كهف الإيمان والحكمة، ومعدن الشريعة والسنة، وسراج الهدى الذي بنوره ضاء أقطار المشارق والمغارب، وينبوع العلم الذي استمدت منه سائر الأدوية والمذائب ثم خلفهم في كل قرن باتباع صدق وعدل، واخلاف هدى وفضل، وأكناف معرفة وعلم، ومعادن خير وحلم، اختار منهم أئمة المسلمين، ونصب منهم أعلاماً للدنيا والدين، فبينوا للناس ما نزل إليهم، وشرحوا لهم ما أشكل عليهم، وانقادوا لما ثبت من السنن لديهم، واعتبروا باستنباطهم، وصحيح اجتهادهم، حكم ما لم ينص على عينه، وقاسوا - بما فهموا من الشرع - حكمه في غيره، ولم يزيغوا عن سنن التحقيق، ولا أخذوا بنيات الطريق، ولا حكموا الآراء المضلة في الدين، ولا انهملوا انهمال الملحدين، و تنطعوا تنطع المعتدين، بل تبعوا آثار من مضى قبلهم، واقتفوا في التمسك بأصول الشريعة سبلهم، ولم يضرهم خلال من خالفهم من الفرق، ولا شغب من لج في هواه ومرق، فالموفق من اقتفى آثارهم، وغاير شرود من شرد وأتباعهم، وعلم أن الحق مع هذا النمط الذي هدى الله واقتدى بهداه، ولم يعرج على ناعق نعق وان اختدع العقول بلهجة صداه، جعلنا الله ممن اتبع فعلم، واقتفى ما مر عليه السواد الأعظم.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية