الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : تاريخ ابن خلدون
    مصدر الكتاب : موقع يعسوب
    [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول وأما مضر فكانوا أعرق في البدو وأبعد عن الحضر من أهل اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر فكان الخط العربي لاول الاسلام غير بالغ إلى الغاية من الاحكام والاتقان والاجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع لاجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الاجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم اقتفي التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لاصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه يقولون في مثل زيادة الالف في لا أذبحنه إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في باييد إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال باجادته وطلبوا تعليل ما خالف الاجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح.
واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مر والكمال في الصنائع إضافي بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لاجل دلالته على ما في النفوس.
وقد كان صلى الله عليه وسلم أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي
أسباب المعاش والعمران كلها وليست الامية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شان الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية فان الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا

(1/419)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية