الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التدوين في أخبار قزوين
    المؤلف : الرافعي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

سحر ليلة الأربعاء السابع من شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة وأثار فضل الله ورحمته بأدية عند وفاته وقت السحر على الإطلاق وقت نزول الرحمة واستنشاق نسيمها، ووجدان روحها ولذلك تسكن الآلام حينئذ وشواهد ذلك في الأخبار، والآثار، لا يخفى وكان حسن الظن بالله تعالى مستعيناً به،فيما ومن يخلفه وفيما يتوجه إليه مستمداً من جميل صنعه وجزيل إحسانه.
كان يقول لأولاده يوم الثلاثاء وأكثرهم صغار: أستودعكم الله تعالى وهو حسبي نعم الوكيل، ويقرأ قوارع القرآن في ذلك اليوم وتلك الليلة ثم لم يكلمنا بعد انتصاف الليل إلا أنه كان يسمع منه أحياناً ذكر الله تعالى، وكان العرق يتحدر من جبينه، وفي الخبر المشهور أن المؤمن يموت بعرق الجبين، ولما قضى نحبه رمى في وجهه إنبساط، وبريق كالشموع تزهر، ودفن أول يوم الخميس وتفجع بوفاته الخواص والعوام وعلت أصوات البكاء وأهملت الأسواق، وعطلت الحوانيت، واجتمع لتشييع نعشه والصلاة عليه طوائف الناس، وصلوا عليه أفواجاً.
سمعت الشيخ أبا المجد عبد الصمد بن المحسن القضوي الصوفي يقول خرجنا في جماعة من الصوفية يومئذ لتشييع الجنازة وكان فيها صوفي من المتورعين المحتاطين ومن الفقراء المذكورين بحسن السيرة يقال له مسعود الأصبهاني فلما دخلنا المقابر ننتظر حضور الجنازة رأيناه، قد تغير حاله وأصابته غشية ورعدة وأثرت حالته في كل واحد منا، فلما سكن ما به سألنا عنه فقال رأيت حين أخرج النعش من الطاق عند باب المارستان سريراً نزل من السماء بحمله نفر، ويزدهم عليه آخرون، وأدخل الحفرة فسألت بعضهم عنه فقالوا: هذا عمل الصالح هيء له يسكن إليه وتبكى عليه.
فصل فيما ظهر من الآثار الحميدة عند قبره
أما من حيث الصورة فما لا يخفى أن المقابر العتيقة بقزوين منبوشة وقد يظهر عند الحفر في القبر لحود بعضها فوق بعض، وأن عادة البلد جارية بتعظيم قبور أهل العلم ورفعها وأعلامها، بما يميز عن سائر القبور ولم يتيسر عند دفنه مخالفة هذه العادة، والجريان على قضية السنة، لفساد الزمان وأهله فذكر الحفار أنه وجد في المدفن لحوداً، عتيقة بني بعضها فوق بعض، وأنه عمق القبر حتى جاوزها جميعاً، وخلاها فوقه وذكر الأستاذ الذي بنى القبر أني نظرت في الموضع، وبنيت القبر في الحال لكن اللحود كثيرة وظاهر حالها الانهيار وتأثيرها في القبر بالاضطراب والاعوجاج، إلا أن تناله بركته.
فيبقى على الاستقامة مدة، هكذا أجرى على لسانه وأنه بقي بحاله إلى اليوم، وقد مضى قريب من خمس وثلاثين سنة لم يختل ولم يحتج إلى مرمة وتجصيص، وأما من حيث المعنى فقد سمعت جماعة من أهل القرية المعروفة بدهك الملاصقة للمقابر وأخبرني رجالهم ونساؤهم أنهم يبيتون على سطوحهم فيرون الأنوار تظهر من قبره تجيء تارة وتذهب أخرى وربما طافت حول القبر.
سمعت غير واحد أنه زاره وسأل الله حاجته عند قبره فقضى الله حاجاتهم، وسمعت بعضهم أنه أهمه أمر فزار قبر الشيخ إبراهيم المعروف بستنبه، وقبراً بحذاء قبره يقال أنه لبعض العلوية، وقبر الأستاذ الشافعي ابن داؤد المقرىء، وقبر الوالد رحمهم الله ودعا الله تعالى عندها، فاستجاب دعاءه، وكفاه ذلك المهم فاتخذ ذلك سنة، وهذه القبور متقاربة بعض الصالحين من أهل المعرفة، أنه يحضر عند قبره، ويجعل معروفاً الكرخي وصاحب القبر شفيعاً إلى الله تعالى في إستنجاح الحوائج، فينتفع بدعائه وقلت عقيب وفاته أرثيه رحمه الله:
ما للنوائب لا حللن ومالي ... يحللن في بأس من الترحال
كسرت حناياها حنين كقدها ... قدي لما يرشقنه بنبال
ولو أتى الدهر الخؤن محرقاً ... مضني كأني في عداد ذبال
لكنني لا نور في أمري وما ... بعد اشتعال الرأس حل قذالي
وصبا إلى رفض الأفاضل جانباً ... ما شاب شوم دبورهم بشمال
وردوا على أذني عناق صدرهم ... لا يهتدي ليمين أو لشمال
كالخنفساء لأحبهم دهر غداً ... متنطفاً بخطوبهم كنمال
حتى بطود العلم بان دبيبه ... ما للنمال وما لجر جبال
أودى أبو الفضل المعلي قدره ... أدوى نفوساً خبن من إبلال

(1/141)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية