الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التدوين في أخبار قزوين
    المؤلف : الرافعي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

توفي أبواه وهو صغير، واحتضنه جده من قبل أمه الشيخ الزاهد أبو ذر رحمه الله، وكان من عباد الله الصالحين، المشهورين بالصيانة وحسن السيرة من محلة آبائه طريق الصامغان، إلى داره في المدينة العتيقة وقام بتسليمه إلى المكتب وتعليمه وتأديبه ورباه أحسن تربية، بأطيب مكسب، وكان له حنين إلى تلك الدار التي نشأ فيها، وأتذكر أنه تملك بعضها وربما همّ بالانتقال إليها ثم لم يتفق له ذلك.
لما خرج من الكتاب وهو في حد الصغر بعد ذهب به جده إلى مفتي البلدة وإمام أئمتها أبي بكر ملكداد بن علي العمركي رحمه الله وعرضه على عرض أم سليم أنساً رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسأله أن يعلمه ما يحتاج إليه ويأذن له في ملازميه في البيت وخارج البيت.
ذكر له قومه وقبيلته فتقبله بقبول حسن احتراماً لذلك الشيخ وسعادة قضيت له فعلق عليه المذهب، والخلاف وسمع عليه الحديث الكثير وكانت شفقته عليه شفقة الوالد على ولده، أو حافده الواحد كل خلق حسن وأدب محمود فتخرج عنده وتوجه.
فصل في أسفار تحصيله
لما تخرج واتنفخت عينه فيما كان مقبلاً عليه من العلوم كان يعرض له عزم السفر على ما يتشوف إليه الأحداث من المحصلين ويعلمه، عليه الجوالون الواردون من البلاد التي يتفق فيها ازدحام الطلبة في كل عصر ولم يكن تسمح نفسه بذلك محاماة على جانب أستاذه ملكذاد بن علي ورعاية بخاطره فلم يسافر حتى انتقل الشيخ إلى جوار رحمه الله تعالى نعم كان مع ملازمته لدرسه يتردد إلى غيره من أئمة ذلك العصر ويحصل بالمباحثة وغيرها، ورأيت أجزأ من تعليقه على جماعة منهم الأستاذ علي ابن الشافعي بن داؤد والإمام أبو سليمان الزبيري.
ثم سافر إلى الري سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في صفرها واشتغل بتعليق الخلاف على الإمام أبي نصر حامد بن محمود الخطيب، وسمع الحديث منه، ومن غيره كالحسن بن محمد الغزال البلخي والقاضي الحسن بن محمد الاسترأبادي وغيرهما ثم عاد إلى قزوين في آخر شوال السنة، ثم خرج إلى بغداد في رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وعلق طريقة الشيخ أسعد الميهني على جماعة من فقهائها.
منهم يوسف الدمشقي، وأبو مشهور الرزاز وأبو نصر المبارك ابن المبارك وأحمد بن يحيى الزهري وتعليقته على ضخامتها باقية عندنا، وسمع بها الحديث الكثير وحصل من كل فنّ وحج منها سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وعقد المجلس في التاجية، في صفر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
خرج منها على قصد نيسابور في شهر ربيع الأول، من هذه السنة، وبقي في الطريق أشهراً ودخل نيسابور في رمضان السنة وأقام مدة عند الِإمام محمد بن يحيى، وكانت له الدولة، وقتيذ وعليه إقبال الطلبة، وكان يعد الكمال في تلامذمته والشريف من حضر درسه، والرشيد من فاز بلقائه، وسمع بها الحديث من مشائخها، وسمع بطوس وآمل وغيرها على ما سيظهر عند ذكر شيوخه وعاد إلى قزوين في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
فصل في إبتداء أمره بعد العود من السفر
اغتنم الأقارب والأباعد قدومه وأكرموا مورده، وخرج بعضهم لاستقباله إلى الريّ وكانوا يظنون أنه يقيم بغيرها من البلاد لأنه طالت غيبته وكان لا يملك بقزوين عقاراً، واعتنى بشأنه الأكابر سيما رئيس الأئمة حينئذ أبو عبد الله الخليلي رحمه الله، وفوض إليه تدريس مدرسته وعينت له الحظيرة المنسوبة إليه في الجامع وابتدأ بالتفسير فيها في أواخر ربيع الأول من السنة، وأقبلت عليه المتفقهة وأولاد المعارف واستتب أمره، وكان ينتابه جماعة من صلحاء المحترفة، وأهل السوق زرافاتاً ووجداناً يتلفقون منه الفقه والكلام بالفارسية.
رأيت منهم في صغري كهلاً من الصالحين يقال له: عثمان الحلاج يأتيه كل يوم وقت العصر، بعد ما يحصل قوته من الحلج لدرس المهذب للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، إلى أن ختم الكتاب فكأن يقال أنه سرد فقه المهذب بتمامه بالفارسية حفظاً ورغب في مصاهرته الإمام أبو الرشيد الزاكاني فتزوج منه والدتي حفظها الله، وكان زفافها إليه في صفر سنة ثلاث وخمسين.
فصل في معرفته بالفنون

(1/114)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية