الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المعجب في تلخيص أخبار المغرب
    المؤلف : المراكشي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما أهل المرية فأخرجوا من كان عندهم أيضاً من المرابطين واختلفوا فيمن يقدمونه على أنفسهم فندبوا إليها القائد أبا عبد الله بن ميمون ولم يكن منهم إنما هو من أهل مدينة دانية فأبى عليهم وقال: إنما أنا رجل منكم ووظيفتي البحر وبه عرفت فكل عدو جاءكم من جهة البحر فأنا لكم به فقدموا على أنفسكم من شئتم غيري فقدموا على أنفسهم رجلاً منهم اسمه عبد الله بن محمد يعرف بابن الرميمي فلم يزل عليها إلى أن دخلها عليه النصارى من البر والبحر فقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وبنيهم وانتهبوا أموالهم في خير يطول ذكره.
وملك جيان وأعمالها إلى حصن شقورة وما والى تلك الثغور رجل اسمه عبد الله لا أعرف اسم أبيه هو معروف عندهم بابن همشك وربما ملك عبد الله هذا قرطبة أياماً يسيرة.
وأقامت على طاعة المرابطين أغرناطة وأشبيلية.
فهذه جملة أحوال الأندلس في آخر دعوة المرابطين وفي ضمن هذه الجملة جزئيات من أخبار الحصون والقلاع والمدن الصغار أضربت عن ذكرها خوفاً من الإطالة لأنها نكرة والتعريف بها مخرج إلى الطول.
وقام بمغرب الأندلس دعاة فتن ورءوس ضلالات فاستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قسي كان في أول أمره يدعي الولاية وكان صاحب حيل ورب شعبذة وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان وينتحل طريق البلاغة ثم ادعى الهداية بلغني ذلك عنه من طرق صحاح ثم لم يستقم له شيء مما أراد واختلف عليه أصحابه وكان قيامه بحصن مارتلة - وقد تقدم اسم هذا الحصن في أخبار الدولة العبادية - فأسلمه - كما ذكرنا - أصحابه واختلفوا عليه ودسوا إليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أخذه الموحدون قبضاً باليد فعبروا به إلى العدوة فأتوا به عبد المؤمن - رحمه الله - فقال: له بلغني أنك ادعيت الهداية فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجران كاذب وصادق فأنا كنت الفجر الكاذب فضحك عبد المؤمن وعفا عنه ولم يزل بحضرته إلى أن قتله بعض أصحابه الذين كانوا معه بالأندلس ولابن قسي هذا أخبار قبيحة مضمونها الجراءة على الله سبحانه والتهاون بأمر الولاية منعني من ذكرها صرف العناية إلى ما هو أهم منها.
عبور الموحدين إلى الأندلس
ولما انتشرت دعوة المصامدة كما ذكرنا بالمغرب الأقصى تشوف إليهم أعيان مغرب الأندلس فجعلوا يفدون في كل يوم عليهم ويتنافسون في الهجرة إليهم فدخل في ملكهم كثير من جزيرة الأندلس كالجزيرة الخضراء ورندة ثم أشبيلية وقرطبة وأغرناطة وكان الذي فتح هذه البلاد الشيخ أبو حفص عمر إينتى المتقدم الذكر في أهل الجماعة واجتمع على طاعتهم أهل مغرب الأندلس.
فلما رأى عبد المؤمن ذلك جمع جموعاً عظيمة وخرج يقصد جزيرة الأندلس فسار حتى نزل مدينة سبتة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماه هو جبل الفتح فأقام به أشهراً وابتني به قصوراً عظيمة وبنى هناك مدينة هي باقية إلى اليوم ووفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة كأهل مالقة وأغرناطة ورندة وقرطبة وأشبيلية وما والى هذه البلاد وانضم إليها وكان له بهذا الجبل يوم عظيم اجتمع له وفي مجلسه فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداءً ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم.
محمد بن حبوس الفاسي الشاعر
وكان على بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون فدخلوا فكان أول من أنشد أبو عبد الله محمد بن حبوس من أهل مدينة فاس وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعاً وأحلى مهيعاً فأنشد في ذلك اليوم قصيدة أجاد فيها ما أراد أولها:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه أن كان شيئاً قابلاً ... وجد الهداية صورة فتشكلا
لم يبق على خاطري منها أكثر من هذين البيتين.
ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة وكان حظياً عنده نال في أيامه ثروة وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب وكان في دولة لمتونة مقدماً في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات فهرب إلى الأندلس ولم يزل بها مستخفياً ينتقل من بلد إلى بلد حتى انتقلت الدولة المرابطية.

(1/60)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية