الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الفخري في الآداب السلطانية
    المؤلف : ابن الطقطقي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الفصل الأول
في الأمور السلطانية والسياسات الملكية
أما الكلام على أصل الملك وحقيقته وانقسامه إلى رياسات دينية ودنيوية، من خلافةٍ وسلطنةٍ وإمارة ٍ وولايةٍ، وما كان من ذلك على وجه الشرع وما لم يكن، ومذهب أصحاب الآراء في الإمامة، فليس هذا الكتاب موضوعاً للبحث عنه، وإنما هو موضوع للسياسات والآداب التي ينتفع بها في الحوادث الواقعة، والوقائع الحادثة، وفي سياسة الرعية وتحصين المملكة، وفي إصلاح الأخلاق والسيرة. فأول ما يقال أن الملك الفاضل هو الذي اجتمعت فيه خصال وعدمت فيه خصال. فأما الخصال التي يستحب أن توجد فيه فمنها العقل وهو أصلها وأفضلها، وبه تساس الدول بل الملل، وفي هذا الوصف كفاية.
ومنها العدل وهو الذي تستعزز به الأموال، وتعمر به الأعمال، وتستصلح به الرجال.
ولما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة أمر أن يستفتى العلماء أيما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، وكان رضي الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده.
ومنها العلم وهو ثمرة العقل وبه يستبصر الملك فيما يأتيه ويذره، ويأمن الزلل في قضاياه وأحكامه، وبه يتزين الملك في عيون العامة والخاصة، ويصير به معدوداً في خواص الملوك.
قال بعض الحكماء: الملك إذا كان خلواً من العلم كان كالفيل الهائج لا يمر بشيء إلا خبطه، ليس له زاجر من عقل، ولا رادع من علم. واعلم أنه ليس المراد بالعلم في الملوك هو تصور المسائل المشكلة والتبحر في غوامض العلوم والإغراق في طلبها. قال معاوية: ما أقبح بالملك أن يبالغ في تحصيل علم من العلوم. وإنما المراد من العلوم في الملك هو ألا يكون له أنس بها إلا بحيث يمكنه أن يفاوض أربابها فيها مفاوضة يندفع بها الحال الحاضر، ولا ضرورة في ذلك إلى التدقيق.
كان مؤيد الدين محمد بن العلقمي وزير المستعصم وهو آخر وزراء الدولة العباسية، يفاوض كل من يدخل عليه من العلماء مفاوضة عاقل لبيب محصل، ولم يكن له بالعلوم ملكة ولا كان مرتاضاً بها رياضةً طائلة. كان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل لكثرة مجالسة الأفاضل وخوضه في الأشعار والحكايات يستنبط المعاني الحسنة، ويتنبه على النكت اللطيفة، مع أنه كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ. وكان عز الدين عبد العزيز بن جعفر النيسابوري، رضي الله عنه، لمجالسة أهل الفضل ولكثرة معاشرتهم له، صار يتنبه على معانٍ حسنة، ويحل أنه رجل فاضل، وخفي ذلك حتى على الصاحب علاء الدين، فإن ابن الكبوش الشاعر البصري عمل بيتين في الصاحب ونسبهما إلى عبد العزيز وهما:
عطا ملك عطاؤك ملك مصر ... وبعض عبيد دولتك العزيز
تجازي كل ذي ذنبٍ بعفوٍ ... ومثلك من يجازي أو يجيز
فأنشدهما عبد العزيز بحضرة الصاحب وادعاهما، وخفي الأمر على الصاحب، وما أدري من أيهما أعجب! أمن الصاحب كيف خفي عنه حال عبد العزيز مع أنه السنين الطويلة يعاشره في سفر وحضرٍ وجد وهزل؟ أم من عبد العزيز كيف رضي لنفسه مثل هذه الرذيلة، وأقدم على مثل هذا مع الصاحب، وما خاف من تنبه الصاحب واسترذاله لفعله؟
اختلاف علوم الملوك
وتختلف علوم الملوك باختلاف آرائهم، فأما ملوك الفرس فكانت علومهم حكماً ووصايا وآداباً وتواريخ وهندسة وما أشبه ذلك، وأما علوم ملوك الإسلام فكانت علوم اللسان كالنحو واللغة والشعر والتواريخ، حتى إن اللحن كان عندهم من أفحش عيوب الملك، وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية الواحدة وبالبيت الواحد من الشعر، بل باللفظة الواحدة من اللغة، وأما في الدولة المغولية فرفضت تلك العلوم كلها ونفقت فيها علوم أخر، وهي علم السياقة والحساب لضبط المملكة وحصر الدخل والخرج، والطب لحفظ الأبدان والأمزجة، والنجوم لاختيار الأوقات، وماعدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم، وما رأيته نافقاً إلا بالموصل في أيام ملكها المشار إليه مد الله ظله ونشر فضله.
الخوف من الله

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية