الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : بغية الطلب في تاريخ حلب
    المؤلف : ابن العديم
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولما كانت أيام ابن الزبير، وموت مروان بن الحكم، وطلب عبد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده، واستعداده للشخوص إلى العراق لمحاربة المصعب بن الزبير خرجت خيل الروم إلى جبل اللكام، وعليها قائد من قوادهم ثم صارت إلى لبنان وقد ضوت إليها جماعة كثيرة من الجراجمة وأنباط وعبيد أباق من عبيد المسلمين فاضطر عبد الملك إلى أن صالحهم على ألف دينار في كل جمعة، وصالح طاغية الروم على مال يؤديه إليه ليشغله عن محاربته، وتخوفه أن يخرج إلى الشام فيغلب عليها، واقتدى في صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق، فصالحم على أن يؤدي إليهم مالاً وارتهن منهم رهناً وضعه ببعلبك ووافق ذلك أيضاً طلب عمرو بن سعيد بن العاص الخلافة وإغلاقه أبواب دمشق حين خرج عبد الملك عنها، فازداد شغلاً، وذلك في سنة سبعين.
ثم إن عبد الملك وجه إلى ذلك الرومي سحيم بن المهاجر وتلطف حتى دخل عليه متنكراً، فأظهر الممالأة له، وتقرب إليه بذم عبد الملك وشتمه وتوهين أمره حتى أمنه، واغتر به، ثم أنه انكفأ عليه بقوم من موالي عبد الملك وجنده، كان أعدهم لمواقعته، ورتبهم بمكان عرفه، فقتله ومن كان معه من الروم، ونادى في سائر من ضوى إليه بالأمان، فتفرق الجراجمة بقرى حمص ودمشق، ثم رجع أكثرهم إلى مدينتهم باللكام، وأتى الأنباط قراهم، ورجع العبيد إلى مواليهم.
وكان ميمون الجرجماني عبداً رومياً لبني أم الحكم أخت معاوية ابن أبي سفيان، وهم ثقفيون وإنما نسب إلى الجراجمة لاختلاطه بهم، وخروجه بجبل لبنان معهم، فبلغ عبد الملك عنه بأس وشجاعة، فسأل مواليه أن يعتقوه، ففعلوا، وقوده على جماعة من الجند وصيره بأنطاكية، فغزا مع مسلمه بن عبد الملك الطوانه وهو على ألف من أهل أنطاكية، فاستشهد بعد بلاء حسن وموقف مشهود، فغم عبد الملك مصابه، وأغزى الروم جيشاً عظيماً طلباً بثأره.
قالوا: ولما كانت سنة تسع وثمانين اجتمع الجراجمة إلى مدينتهم، وأتاهم قوم من الروم من قبل الإسكندرونة وروسس، فوجه الوليد بن عبد الملك إليهم مسلمة بن عبد الملك فأناخ عليهم في خلق من الخلق، فافتتحها على أن ينزلوا بحيث أحبوا من الشام، ويجري على كل إمرىء منهم ثمانية دنانير، وعلى عيالاتهم القوت من القمح والزيت، وهو مديان من قمح وقسطار من زيت، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم على ترك النصرانية وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين، ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية، وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة، وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال المسلمين، فأخرب مدينتهم، وأنزلهم جبل الحوار، وشيح اللولون، وعمق تيزين، وصار بعضهم إلى حمص، ونزل بطريق الجرجومة في جماعة معه أنطاكية، ثم هرب إلى بلاد الروم، وقد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤوسهم، فرفعوا ذلك إلى الواثق بالله، وهو خليفة، فأمر باسقاطها عنهم.
وحدثني بعض من أثق به من الكتاب أن أمير المؤمنين المتوكل على الله أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة، وأن تجرى عليهم الأرزاق، إذا كانوا ممن يستعان به في المسالح وغير ذلك.
وروى أبو الخطاب الأزدي أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون في أيام عبد الملك بن مروان على قرى أنطاكية والعمق، وإذا غزت الصوائف قطعوا على المتخلف واللاحق ومن قدروا عليه ممن في أواخر العسكر، وغالوا في المسلمين، فأمر عبد الملك ففرض لقوم من أهل أنطاكية وأنباطها جعلوا مسالح، وأردفت بهم عساكر الصوائف ليذبوا الجراجمة عن أواخرها، فسموا الرواديف، وأجرى على كل امرىء ثمانية دنانير، والخبر الأول أثبت.
فهذه أخبار الثغور الشامية، فنشرع الآن في ذكر الثغور الجزرية، وجبل اللكام هو الفاصل بين الثغور الشامية والثغور الجزرية.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: وقد جمعت إلى الشام الثغور الشامية، وبعض الثغور تعرف بثغور الجزيرة، وكلاهما من الشام وذلك أن كل ما وراء الفرات من الشام، وإنما سمي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة لأن أهل الجزيرة بها يرابطون، وبها يعرفون لأنها من الجزيرة، وبين ثغور الشام وثغور الجزيرة جبل اللكام وهو الفاصل بين الثغرين.
باب في
ذكر مرعش

(1/56)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية