الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : بغية الطلب في تاريخ حلب
    المؤلف : ابن العديم
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وسمعت الأمير شرف الدولة بدران بن حسين بن مالك يقول: سمعت أبي يقول نقل إلى دبيس وهو عند أبي بقلعة جعبر أن أبي يريد أن يسلمه إلى المسترشد وأنه قد كاتبه في معناه لتسليمه إليه، قال فجلسا يوماً، فبكى دبيس، فقال له أبي: أيها الأخ ما يبكيك؟ فقال: بلغني كذا وكذا، قال: فأمر غلامه فأحضر له خريطة فيها كتب المسترشد إليه وأحضر إليه نسخ الكتب التي كتبها في جوابه، وهو يقول: أنا والله لا أسلمه أبداً، فطاب قلب دبيس عند ذلك واطمأن.
وقد ذكر الفقيه معدان بن كثير البالسي فعل مالك بن سالم في قصيدة مدحه بها قرأتها بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة. أخبرنا بها شيخنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إجازة عن أبي الحسن المذكور قال: أنشدني الفقيه الأديب أبو المجد معدان بن كثير في الأمير أبي العز مالك بن سالم بن مالك يذكر وفود الأمير ملك العرب دبيس بن صدقة بن مزيد عليه أولها:
سلخت بالغيل آجال ... لليوث الغيل تغتال
وقال فيها:
ودبيس حين مال به ... دهره والدهر ميال
واشمأز الناس قاطبة ... منه أجواد وبخال
غير قيل أروع ندس ... لم يرعه القيل والقال
بل تفداه وقال له: ... ادن ولينعم لك البال
ثم لما أن تكنفه ... واسع الأرجاء محلال
آهل بالعز فاء له ... منه إكرام وإجلال
وحباه بالصفا أخ ... حافظ للود وصال
فلأدنى ما تكنفه ... رغبة في وده المال
وإذا نفس الفتى بذلت ... سهلت خيل وآبال
فترى عوف وأخوتها ... بالذي أو ليست جهال
ولقد نبئت أنهم ... شكروا والقوم قفال
وتألى من بني أسد ... أسدٌ غلب وأشبال
إنه ما أن يزال لهم ... أبداً بالشكر إهلال
ولنعم الفاعلون هم ... ما علمناهم لما قالوا
وأخبرني الأمير بدران بن جناح الدولة حسين بن مالك قال: حكى لي والدي قال: لما قدم دبيس على والدي إلى قلعة جعبر منهزماً من المسترشد أجازه وأقام عنده فكاتبه المسترشد في تسييره إليه فمنعه منه. قال: وقدم مع دبيس أربعمائة ألف دينار عينا ومثلها جواهر، ومثلها عروض وأنفق في حاشية والدي حتى بيع الدينار بثلاثين قرطيساً. قال: فقال له والدي: يا أيها الملك أرخصت علينا الذهب.
قلت: وقد كان دبيس مع ما ذكر من أفعاله المستقبحة على غاية من الجود، وله خلال محمودة مستملحة فمن ذلك ما أخبرني به بدران بن حسين ابن مالك قال: لما قبض على دبيس بنواحي دمشق وقيد وسير إلى أتابك زنكي إلى حلب، وكان اشتراه بمائة ألف دينار جاءه بعض الشعراء وامتدحه في طريقه وهو مقبوض عليه مكبل، ولم يكن معه شيء فكتب له في رقعة هذين البيتين ودفعهما إليه وهما:
الجود فعلي ولكن ليس لي مال ... فكيف يفعل من بالفرض يحتال
خذ هاك خطي إلى أيام ميسرتي ... ديناً علي فلي في الغيب آمال
قال: فلما قدم حلب على أتابك زنكي أكرمه واحترمه وأنزله دار لاجين بحلب وأعطاه مائة ألف دينار وخلع عليه خلعاً سنية فخرج دبيس ذات يوم إلى ميدان الحصا يسير فعرض له ذلك الشاعر وقال له: يا أمير لي عليك دين، فقال: والله ما أعرف لأحد علي ديناً فقال: بلى وشاهده منك وأخرج له خطه، فلما وقف عليه قال: أي والله دين وأي دين، وأمره أن يأتي إليه إذا نزل فجاءه فأعطاه ألف دينار والخلعة التي خلعها عليه أتابك زنكي وكانت جبة أطلس وعمامة شرب.
أخبرني أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل النيلي قال: أسر دبيس بناحية الشام فافتداه أتابك الشهيد بمال جزيل، ولما حصل دبيس عند السلطان مسعود كتب السلطان يستدعي أتابك الشهيد ليفتك به، وأطلع دبيس على شيء من ذلك فكتب كتاباً إلى أتابك يحذره فيه من المجيء إليه فامتنع من ذلك فعلم السلطان مسعود فكان ذلك سبب قتل دبيس.
قال لي أبو علي النيلي: وأخبرني بعض أحفاد أتابك الشهيد قال: كان جدي يقول: فديناه بالمال وفدانا بالروح.

(3/428)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية