الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : بغية الطلب في تاريخ حلب
    المؤلف : ابن العديم
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو الفضل قد قدم الشام، ونزل بجبل السماق، فاستطاب ماءه، واستلذ هواءه، وأعجب به اعجاباً كثيراً، ورحل عنه فقال:
يا جبل السماق سقيا لكا ... ما فعل الظبي الذي حلكا
فارقت أطلالك لا أنه ... قلاك قلبي لا ولا ملكا
فأي لذاتك أبكي دماً ... ماءك أم ظبيك أم ظلكا
أم نفحات منك تندى إذا ... دمع الندى إثر الدُجى بلكا
ومن شعر عيسى بن سعدان الحلبي في ذكره.
عهدي بها في رواق الصبح لامعةٍ ... تلوى ظفائر ذاك الفاحم الرجل
وقولها وشُعاع الشمس منخرطٌ ... حييت يا جبل السُماق من جبل
ذكر جبل الطور بقنسرين
وهو جبل عال، مدينة قنسرين كانت في لحفه من جهة القبلة والمشرق، ونهر قويق يمر من شرقيه، وفي رأسه مشهد يقال أنه مقام صالح النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولن إن الناقة خرجت منه، وهذا لا أصل له، فإن صالحاً عليه السلام كان بالحجر، وقتل قومه الناقة بالحجر، والذي يغلب على ظني أن هذا المشهد بناه صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسب إلى صالح النبي عليه السلام.
ذكر جبل بني عليم
وهو منسوب إلى بني عليم بن جناب بن كلب وبرة بن تغلب بن حلوان، نزلوه فعرف بهم، ونسلهم به إلى اليوم، وسيأتي في أثناء كتابنا هذا ذكر جماعة منهم إن شاء الله، وهو جبل عال مشرف على جبل السماق، وفي ذيله قرية كبيرة يقال لها ريحا.
وفي رأس الجبل عين ماء في موضع يقال له الكرساني فيه أشجار على العين، من الجوز وغيره، ويشرف ذلك الموضع على جبل السماق وغيره، ويقصد الناس هذا الموضع للنزهة به من حلب وغيرها، وينحدر الماء في هذا الجبل إلى أسفله، فيجري في قرية ريحا، وينتفعون به للشرب والحمام، ونفس القرية إذا حفر فيها بئر لا يصلون إلى منبع الماء إلا بعد مجاوزة ثلاثمائة ذراع، وفي القرية أبنية عظيمة من بناء الروم.
وفي هذا الجبل قبلى الكرساني قرية يقال لها كفر لاثا في شعب من شعابه فيها عين ماء، وتحتها بساتين تشرب منها، وهي من أنزه البقاع تشرف على كورة قنسرين، وكورة حلب، وكان بها حصن منيع استولى عليه طنكري الفرنجي، وأخذه من نواب رضوان بن تتش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ففتحه نور الدين محمود بن زنكي في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وخربه.
وفي قرية من هذا الجبل يقال لها نحله مقابر يشاهد الناظر النور عليها ليلاً عن بعد، فإذا وصل إليها لا يرى شيئاً، وعليها كتابة بالرومية، حكى لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب رحمه الله أن الأمير سيف الدين علي بن قلج أمر بأن تنقل تلك الكتابة، ودفعها إلى بعض علماء الروم بحلب، فترجمها فكان فيها هذا النور موهبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاماً نحو هذا، وفيه زيادة عليه.
ذكر جبل الأحص
وهو من شرقي مدينة حلب وقبليها، ومن غربيه السهول، ومن شرقيه برية الرصافة، ومن شماليه نقرة بني أسد، وهو جبل كبير وفيه قرى عامرة، كثيرة الغلة، وفيه خناصرة منزل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وفيه شبيث ماء مذكور وفيه يقول الشاعر:
فقال تجاوزت الأحص وماءه ... وماء شبيث وهو ذو مترسم
وكان جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب وائل ينزل الأحص، فجرت وقعة البسوس، فقتل جساس كليباً، فلما غشية الموت قال لجساس: أغثني بشربة، فقال تجاوزت شبيثاً والأحص فأرسلها مثلاً، ووقعت الحرب بين الحيين بكر وتغلب على ما نذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وفي الأحص من المدن الخربة الاندرين، وهي مدينة خربة، مبنية بالحجر الأسود، على شفير البرية، وينسب إليها الخمر، قال:
ألا هُبيّ بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحُصّ فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
وتنسب إليها الحبال أيضاً قال النابغة الذبياني:
كأني شددت الكور حين شددته ... على قارح مما تضمن عاقل
أقب كعقد الاندري معقرب ... حزابية قد كدحته المساحل
وقاتلته الحمر وطاردها.

(1/119)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية