الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
    المؤلف : ابن تغري بردي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فأول الأمر قتل العاضد وزيره الملك الصالح طلائع بن رزيك، وكنيته أبو الغارات الأرمني الأصل. أقام وزيراً بمصر سبع سنين؛ وقد ذكرنا ابتداء أمره في آخر ترجمة الظافر وأول ترجمة الفائز، وكان الفائز معه كالمحجور عليه. ولما مات الفائز أقام العاضد هذا في الخلافة، وتولى تدبير ملكه على عادته، وولى شاور بن مجير السعدي الصعيد. ثم ثقل طلائع هذا على العاضد فدبر في قتله. فلما كان عاشر شهر رجب سنة ست وخمسين وخمسمائة حضر الصالح طلائع إلى قصر الخلافة، فوثب عليه باطني فضربه بسكين في رأسه، ثم في ترقوته فحمل إلى داره، وقتل الباطني. ومات الملك الصالح طلائع بن رزيك من الغد، فحزن الناس عليه لحسن سيرته، وأقيم المأتم عليه بالقصر وبالقاهرة ومصر. وكان جواداً ممدحاً فاضلا شاعراً كثير الصدقات حسن الآثار؛ بنى جامعاً خارج بابي زويلة يعرف بجامع الصالح، وآخر بالقرافة وتربة إلى جانبه، وهو مدفون بها. وقام بعده في الوزر ابنه رزيك بن طلائع بن رزيك، ولقب بمجد الإسلام. وفرح العاضد بقتل طلائع المذكور إلى الغاية، وكان في ذلك عكسه؛ على ما يأتي: وهو أن رزيك لما وزر مكان والده طلائع سار على سيرة أبيه، فلم يحسن ذلك ببال العاضد، فأحب ذهابه أيضاً ليستبد بالأمور من غير وزيرة فدس إلى شاور، فتحرك شاور بن مجير السعدي من بلاد الصعيد وجمع أوباش الصعيد من العبيد والأوغاد، وقدم إلى القاهرة تحراباً لرزيك. فخرج إليه رزيك بن طلائع وقاتله والعاضد في الباطن مع شاور، فانهزم رزيك. ودخل شاور إلى القاهرة وملكها وأخرب دور الوزارة ودور بني رزيك؛ واختفى الوزير رزيك المذكور إلى أن ظفر به شاور وقتله. يأتي بعض ذكر ذلك في الحوادث كل واحد على حدته.
وتولى شاور الوزارة، فعامل العاضد بأفعال قبيحة وأساء السيرة في الرعية، وأخذ أمر مصر في وزارته في إدبار. ولما كثر ظلمه خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر من الصعيد - وقيل من مصر - وحشد. فخرج إليه شاور بدسته فهزمه ضرغام، وقتل ولده الأكبر طيئ، وخذل أهل القاهرة شاور لبغضهم له. فهرب شاور إلى الشام ودخل إلى السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد، فالتقاه نور الدين وأكرمه. فطلب شاور منه النجمة والعساكر وأطمعه في الديار المصرية، وقال له: أكون نائبك بها، وأقنع بما تعين لي من الضياع والباقي لك. فأجابه نور الدين لذلك وجهز له العساكر مع الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي الكردي، أحد أمراء نور الدين. وخرجوا من دمشق في العشرين من جمادى سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وكان مع أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب في خدمته. فلما وصلوا إلى القاهرة خرج إليهم أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار، فحاربهم أياماً ووقع بينهم حروب وأمور يطول شرحها، إلى أن التقوا على باب القاهرة؛ فحمل ضرغام بنفسه في أوائل الناس فطعن وقتل، واستقام أمر شاور. فكانت وزارة ضرغام تسعة أشهر. واستولى شاور ثانياً على القاهرة. وكان خبيثاً سفاكاً للدماء. ولما ثبت أمره ظهر منه إمارات الغدر بأسد الدين شيركوه. فأشار صلاح الدين يوسف بن أيوب على عمه أسد الدين شيركوه بالتأخر إلى بلبيس. وكان أسد الدين لا يقطع أمراً دون صلاح الدين؛ ففعل ذلك وخرج إلى بلبيس، وبعث أسد الدين يطلب من شاور رزق الجند أعني النفقة فاعتذر وتعلل عليه. فكتب أسد الدين إلى نور الدين يخبره بما جرى، ودس شاور إلى الفرنج رسلا يدعوهم إلى مصر ويبذل لهم الأموال، فاجتمع الفرنج من الساحل وساروا من الداروم متفقين مع شاور على أسد الدين شيركوه. فتهيأ أسد الدين لحربهم وحاربهم فقوي الفرنج عليه وحاصروه بمدينة بلبيس نحو شهرين حتى صالحهم أسد الدين على مال. وكان حصارهم له من أول شهر رمضان إلى ذي القعدة. ووقع بينهم حروب وأمور حتى بلغهم أن نور الدين الشهيد قصد بلادهم من الشام؛ فعند ذلك رجعت الفرنج وصالحوا أسد الدين شيركوه، فعاد أسد الدين إلى الشام وهو في غاية من القهر.

(2/99)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية