الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
    المؤلف : ابن تغري بردي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقيل: إن سبب ما حصل لمصر من الخلل في أول الأمر الفتنة التي كانت بمصر في أيام المستنصر هذا بين الأتراك والعبيد، وهو أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة، وهو موضع نزهة، فيخرج إليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة، ومعه الخمر في الروايا عوضاً عن الماء ويسقيه الناس، كما يفعل بالماء في طريق مكة. فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته المذكورة، فاتفق أن بعض الأتراك جرد سيفاً في سكرته على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد فقتلوه، فاجتمع الأتراك بالمستنصر هذا وقالوا له: إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك فلا ترضى بذلك، فأنكر المستنصر ذلك؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد أن حصل بينهم وبين العبيد قتال شديد على كوم شريك وانهزم العبيد من الأتراك. وكانت أم المستنصر تعين العبيد بالأموال والسلاح؛ فظفر بعض الأيام أحد الأتراك بذلك، فجمع طائفة الأتراك ودخلوا على المستنصر وقاموا عليه وأغلظوا له في القول، فحلف لهم أنه لم يكن عنده خبر. وصار السيف قائماً بينهم. ثم دخل المستنصر على والدته وأنكر عليها. ودامت الفتنة بين الأتراك والعبيد إلى أن سعى وزير الجماعة أبو الفرج بن المغربي - وأبو الفرج هذا هو أول من ولي كتابة الإنشاء بمصر - ولا زال الوزير أبو الفرج هذا يسعى بينهم حتى اصطلحوا صلحاً يسيراً، فاجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرى دمنهور. فكانت هذه الواقعة أول الاختلاف بديار مصر؛ فإنه قتل من الأتراك والعبيد خلائق كثيرة، وفسدت الأمور فطمع كل أحد. وكان سبب كثرة السودان ميل أم المستنصر إليهم؛ فإنها كانت جارية سوداء لأبي سعد التستري اليهودي. فلما ولي المستنصر الخلافة ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين حكمت والدة المستنصر على الدولة، واستوزرت سيدها أبا سعد المذكور، ووزر لابنها المستنصر الفلاحي، فلم يمش له مع أبي سعد حال؟ فاستمال الأتراك وزاد في واجباتهم حتى قتلوا أبا سعد المذكورة فغضبت لذلك أم المستنصر وقتلت أبا منصور الفلاحي، وشرعت في شراء العبيد السود، وجعلتهم طائفة واستكثرت منهم. فلما وقع بينهم وبين الأتراك قامت في نصرهم.
وقال الشيخ شمس الدين بن قزأوغلي في المرآة: وكل هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها، ووافق ذلك انقطاع النيل؛ وضاقت يد أبي هاشم محمد أمير مكة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر، فأخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب والميزاب، وصادر أهل مكة فهربوا. وكذا فعل أمير المدينة مهنأ، وقطعا الخطبة للمستنصر، وخطبا لبني العباس الخليفة القائم بأمر الله، وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك، وأنهما أذنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد، وتركا الأذان ب حي على خير العمل؛ فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار، وإلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار. وبلغ الخبر بذلك المستنصر، فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء. وقد كاد الخراب أن يستولي على سائر الإقليم. ودخل ابن الفضل على القائم بأمر الله العباسي ببغداد، وأنشده في معنى الغلاء الذي شمل مصر قصيدة، منها: الطويل.
وقد علم المصري أن جنوده ... سنو يوسف منها وطاعون عمواس
أحاطت به حتى استراب بنفسه ... وأوجس منها خيفة أي إيجاس
قلت: وهذا شأن أرباب المناصب، إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه. وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا.
ثم في سنة ست وستين سار بدر الجمالي أمير الجيوش من عكا إلى مصر، ومعه عبد الله بن المستنصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان بمدة. واسم ابن حمدان الحسن بن الحسين بن حمدان أبو محمد التغلبي الأمير ناصر الدولة ذو المجدين.
سبب قتل ابن حمدان المذكور

(1/490)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية