الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
    المؤلف : ابن تغري بردي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فسار عمرو حتى وصل إلى مصر واجتمعت العثمانية إليه، فكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر صاحب مصر: أما بعد، فنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني قلامة ظفر، والناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لوقد التقت حلقتا البطان فاخرج منها إني لك من الناصحين؛ ومعه كتاب معاوية يقول: يا محمد، إن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وسفك الدماء الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والآخرة؛ وإنا لا نعلم أحداً كان على عثمان أشد منك، فسعيت عليه مع الساعين وسفكت دمه مع السافكين؛ ثم أنت تظن أني نائم عنك وناس سيئاتك؛ وكلام طويل من هذا النمط حتى قال: ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. فطوى محمد الكتابين وبعث بهما إلى علي بن أبي طالب وفي ضمنهما يستنجده ويطلب منه المدد والرجال، فرد عليه الجواب من عند علي بن أبي طالب بالوصية والشدة، ولم يمده بأحد.
ثم كتب محمد إلى معاوية وعمرو كتاباً خشن لهما فيه في القول. ثم قام محمد في الناس خطيباً فقال: أما بعد، فإن القوم الذين ينتهكون الحرمة وينعشون الضلالة ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بجيوشهم؛ فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إليهم فليجاهدم في الله؛ انتدبوا مع كنانة بن بشر؛ فانتدب مع كنانة نحواً من ألفي رجل، ثم خرج محمد ابن أبي بكر في ألفي رجل؛ واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، وكنانة يسرح لعمرو الكتائب. فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج السكوني. وفي رواية: لما رأى عمرو كنانة سرح إليه الكتائب من أهل الشام كتيبة بعد كتيبة وكنانة يهزمها فاستنجد عمرو بمعاوية بن حديج السكوني فسار في أصحابه وأهل الشام فأحاطوا بكنانة.
فلما رأى كنانة ذلك ترجل عن فرسه وترجل أصحابه، وقرأ: وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً إلى قوله: وسنجزي الشاكرين، فقاتل حتى قتل بعد أن قتل من أهل الشام مقتلة عظيمة؛ فلما رأى أصحاب محمد ذلك تفرقوا عنه فنزل محمد عن فرسه ومشى حتى انتهى إلى خربة فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص ودخل الفسطاط ؛ وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد ابن أبي بكر، فسأل قوماً من العلوج وكانوا على الطريق فقال: هل رأيتم رجلاً من صفته كذا وكذا؟ فقال واحد منهم: قد دخل تلك الخربة، فدخلوها فإذا برجل جالس، فقال معاوية بن حديج: هو ورب الكعبة ؛ فدخلوها واستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، فأقبلوا به على الفسطاط؛ ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى عمرو بن العاص - وكان في جنده، فقال: أيقتل أخي صبراً؟ فأرسل عمرو إلى معاوية بن حديج يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر كرامة لأخيه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال معاوية: أيقتل كنانة بن بشر وأخلي أنا محمداً! هيهات هيهات! فقال محمد: اسقوني ماء؛ فقال معاوية بن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة ؛ إنكم منعتم عثمان الماء، ثم قتلتموه صائماً فتلقاه الله بالرحيق المختوم؛ والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر فليسقك الله من الجحيم ؛ فقال محمد لمعاوية: يا بن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك؛ وأما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا؛ فقال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار؛ قال محمد: إن فعلتم ذلك لطالما فعلتموه بأولياء الله تعالى؛ ثم طال الكلام بينهما حتى أخذ معاوية محمداً ثم ألقاه في جيفة حمار ميت ثم حرقه بالنار؛ وقيل: إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به، وهو أول رأس طيف به في الإسلام. ولما بلغ عائشة - رضي الله عنها - قتل أخيها محمد بن أبي بكر هذا وجدت عليه وجداً عظيماً وأخذت أولاده وعياله وتولت تربيتهم.
وقال أبو مخنف بإسناده: ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان من الأمر بمصر وتملك عمرو لها واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيباً فحثهم على الجهاد والصبر والسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة.

(1/45)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية