الكتاب : البدء والتاريخ المؤلف : ابن المطهر مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
كتاب البدء والتأريخ للمطهر بن طاهر المقدسي (1/1)
الجزء الأول
الفصل الأول
تثبيت النظر وتهذيب الجدل
أقول وبالله التوفيق وَمَن عندَهُ العصمة والتسديد إن معرفة هذا الفصل من أعوان الأسباب على درك الحقّ والتمييز بينه وبين ما يضادّه لاغناء بأحدٍ عن مطالعته والإشراف عليه ليعرف الصدق من نفسه ومن غيره إذْ قد يعترض من الفكر والتخايل والأوهام الفاسدة والخطرات الردئة ما يلتبس معها الحقّ ويتغلّب عندها الظنّ والشكّ وليس ما يميّز بينها ويدلّ على صّحة الصحيح وبُطلان الباطل منها إلاَّ النظر وبه يعترف السؤال الساقط من السؤال اللازم والجواب الجائز من الجواب العادل فلنذكر الآن منه لمعاً لهام ما نحن قاصدوه يكون عُدّة للناظر وقوّة للمناظر ثّم من بعد يستقصيه إن شاء الله في كتاب استسناه على هذا النوع وسمّيناه كتاب العلم والتعليم ومن عند الله العصمة والتوفيق أقول أنّ العلمَ اعتقادُ الشيء على ما هو به إن كان محسوساً فبالحسّ وإن كان معقولاً فبالعقل والحسّ والعقل أصل ما تردّ إليه العلوم كلّها فما قضَيَا بإثباته ثبت وما قضيا بنَفْيه انتفى هذا إذا كانا سليمّيْن من الآفات برئَيْنِ من العاهات وعوارض النقص غسيلين من عشق عادة الألف والنشو لا يكاد يقع حينيذٍ في محسوسه ومعقوله اختلاف إلا من مخالف أو من معاند لأنهما على ضرورة لا يعترض للحاسّ شكٌّ في هيئّة المحسوس وصورته ولا يقدر المضطّر ببديهة عقله أن لا يعلم ما يعلمه ويتيقنه ولا يُصدّق مّنْ يدّعي خلافه ولو كان مضطّر إلى دعواه كما اضطّر في حواسّه لما ظهر من أحد خلاٌف ولا احتيج إلى كسر قوله والكشف عن عُوار كلامه ألا ترى أنّه يستحيل ان تجد الحاسّة النار باردّة والثلج حارًّا في الظاهر كما يستحيل إن يكون المعلوم متحرّكاً ويعلم ساكناً أو يكون في نفسه أبيض ويقع العلم بأنّه أسود ولو جاز هذا لبطلت العلوم كلّها رأساً وفسدت الاعتقادات فساغ لكل قائل ما أراد من ادّعاء السمع البصر والبصر السمع والحيّ ميتاً والميّت حياً وهذا محال لأن العلم إذا كان إدراك الشيء على ما هو به من حدٍ وحقّه ثم لم يُدرك ذاته كما هو لم يكن معلوماً وكذلك الحسّ إذا لم يدرك طبعه طبع ما يقع تحته لم يكن محسوساً وهذا لا خلاف فيه بين المتميّزين العاقلين قاطبةً إلاّ رجلّيْن اثنَيْن أحدهما العامي الذي لا نظر له لإغفاله آخذاً له استعماله ومتى لاح له الحقّ اتبعه وانقطع خلافه لأن قوله ذاك عن حَدْس وظنّ وسماع وتقليد فإذا قرع سمعه ما يشهد بتصديقه قلبه مال إليه وقبله والثاني الجاحد المعاند الذي يسمّيه القدماءُ السوفسطاني وسنذكر فساد مذهبهم في موضعه إن شاء الله تعالى، وضدّ العلم الجهل ومعناه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به وليس كلّ من لا يعلم جاهلاً بالإطلاق ولكنّ الجاهل في الحقيقة التارك طلب حدّ الشيء وحقّه المعتقد له على غير ما هو به ولولا ذاك لما استحق اللائمة والمذمّة على جهله.