الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : مختصر تاريخ دمشق
    المؤلف : ابن منظور
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولما أمر عضد الدولة بقتل الوزير محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع وثلاث مائة كان له صديق يعرف بأبي الحسن الأنباري، فرثاه بهذه الأبيات، فرثاه بهذه الأبيات، فكتبها ورمى بها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء إلى أن اتصل الخبر بعضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، فقال: علي بهذا الرجل فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري فكتب له الأمان. فلما سمع بذكر الأمان قصد حضرته فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم. قال: أنشدنيها. فلما أنشده:
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
قام الصاحب فعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة. فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوي؟ فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع؟ - والشموع تزهر بين يديه - فأنشأ يقول:
كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا
أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا
فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه، وحمله على فرس وأعطاه بدرة.
وكان جعفر هذا أديبا فاضلا، وصدرا كاملا، رثاه القاص أبو الحسن بن هندي بقصيدة غراء ثلاثة وتسعون بيتا منها:
يا من كأن الدهر يعشق ذكره ... فلسانه من وصفه لا يفتر
بأبي ثراك وما تضمنه الثرى ... كل يموت وليس كل يذكر
جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك
أبو الفضل البرمكي وزير الرشيد هارون، ولاه هارون دمشق وقدمها سنة ثمانين ومائة.
حدث عن أبيه يحيى بسنده إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه.
وقال جعفر بن يحيى البرمكي لهرون الرشيد: يا أمير المؤمنين، قال لي أبي يحيى: إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأعط، فإنها لا تبقى.
قال جعفر: وأنشدنا أبي:
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
ولما ثارت العصبية بالشام في سنة ثمانين ومائة وتفاقم أمرها اغتم الرشيد فعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقبل بنفسي، فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحا ولا قوسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النائرة.
وكان جعفر بن يحيى من علو القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هرون بحلة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البشر. وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان أيضا من ذوي الفصاحة واللسن والبلاغة.
يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ونظر في جميعها فلم يخرج بشيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه. وغضب الرشيد عليه في آخر عمره فقتله، ونكب البرامكة لأجله.
كان أبو علقمة الدمشقي - صاحب الغريب - عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خنفساءة إلى أبي علقمة فقال: أليس يقال إن الخنفساء إذا أ قبلت إلى الرجل أصاب خيراً! قالوا: بلى، قال جعفر بن يحيى: يا غلام، أعطه ألف دينار، قال: فنحوها عنه فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار، فأعطاه ألفي دينار.
خرج عبد الملك بن صالح مشيعاً لجعفر بن يحيى البرمكي، فعرض عليه حاجاته فقال له: قصارى كل مشيع الرجوع، وأريد أعز الله الأمير أن تكون لي كما قال بطحاء العذري:
وكوني على الواشين لداء شغبة ... فإني على الواشي ألد شغوب
فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل:
وإذا الواشي وشى يوما بها ... نفع الواشي بما جاء يضر
كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، فكثرت رقاع الناس في خف أحمد بن الجنيد، ولم يزل كذلك إلى أن تهيأ

(2/292)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية