الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : مختصر تاريخ دمشق
    المؤلف : ابن منظور
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاماً ثم أقيمت الصلاة، فقام وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ منه، فانتهرني وقال: وراءك. فساءني والله ذلك! ثم صلى؛ فشكوت ذلك إلى عمر فقال: يا نبي الله! إن المغيرة قد شق عليه انتهارك إياه، وخشي أن يكون في نفسك عليه شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس عليه في نفسي شيء إلا خير، ولكن أتاني بماء لأتوضأ، وإنما أكلت طعاماً، ولو فعلت فعل الناس ذلك بعدي.
وعن المغيرة قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال: أمعك ماء؟ قلت: نعم. فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء، فأفرغت عليه ماء من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة، وغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين. فمسح عليهما.
وعن المغيرة بن شعبة قال: أنا آخر الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم، لما دفن خرج علي من القبر، ألقيت خاتمي فقلت: يا أبا حسن خاتمي! قال: انزل فخذ خاتمك. مرتين أو ثلاثاً، فمسحت يدي على الكفن ثم خرجت.
وعن المغيرة بن شعبة قال: كنت جالساً عند أبي بكر الصديق إذ عرض عليه فرس له، فقال رجل من الأنصار: احملني عليها. فقال أبو بكر: لأن أحمل غلاماً قد ركب الخيل على غرلته - يعني الأقلف - أحب إلي من أن أحملك عليها. فقال له الأنصاري: أنا خير منك ومن أبيك. قال المغيرة: فغضبت لما قال لأبي بكر! فقمت إليه، فأخذت برأسه، فركبته على أنفه، فكأنما كان عزلاء مزادة فتواعدني الأنصار أن يستقيدوا مني، فيبلغ ذلك أبا بكر، فقام فقال: إنه بلغني عن رجال زعموا أني مقيدهم من المغيرة، ووالله لأن أخرجهم من دارهم أقرب إليهم من أن أقيدهم من وزعة الله الذين يزعون عنه.
استعمل عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبة على البحرين فكرهوه، فعزله، ثم خافوا أن يرد عليهم ثانية، فقال دهقان لهم: إن ضيعتم ما آمركم لم يرد عليكم المغيرة. قالوا: مرنا بأمرك. قال: اجمعوا إلي مئة ألف درهم. قال: فجمعوا له مئة ألف، فحمله إلى عمر، فوضعه بين يديه، فقال له عمر: يا دهقان! ما هذا؟ قال: إن المغيرة اختان هذا من مال الله ودفعه إلي. فبعث عمر إلى المغيرة، فدعاه فقال: ما يقول هذا؟ قال: كذب - أصلحك الله - دفعت إليه مئتي ألف! قال: ما حملك على ذا؟ قال: العيال والحاجة؛ فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال الدهقان: ما دفع إلي شيئاً، ولكنا كرهناه فخفنا أن ترده علينا. قال عمر للمغيرة: ما أردت بقولك مئتي ألف؟ قال: كذب علي الخبيث فأحببت أن أخزيه.
وكان فتح الأبلة على يدي عتبة بن غزوان في رجب أو شعبان سنة أربع عشرة، فلما خرج عتبة إلى عمر قال للمغيرة بن شعبة: صل بالناس، فإذا قدم مجاشع ين مسعود من الفرات فهو الأمير. فلما هلك عتبة بن غزوان كتب عمر إلى المغيرة بن شعبة بولايته على البصرة؛ فكان عليها باقي سنة خمس وست وسنة سبع عشرة، حتى كان منه ما كان، فعزله عمر.
وافتتح المغيرة بن شعبة نهر تيرى عنوة؛ وقيل: فيها جد النوشجان - وهو يومئذ صاحبها - وكان المغيرة صالحهم على ألف ألف درهم ومئة ألف درهم. ثم كفروا، فافتتحها أبو موسى بعد، وافتتحت الأهواز سنة ست عشرة، ثم كفروا. وكان المغيرة سار إلى الأهواز، فصالحه البيروان على ألفي ألف درهم وثمان مئة وسبعين ألفاً. ثم غزاهم الأشعري بعد.
وفي سنة ست عشرة شهد أبو بكرة ونافع ابنا الحارث، وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة، أنهم رأوه يولجه ويخرجه، وكان زياد رابعهم وهو الذي أفسد عليهم؛ فقال أبو بكرة: والله لكأني بأثر جدري في فخذها. فقال عمر حين رأى زياداً: إني لأرى غلاماً كيساً لا يقول إلا حقاً، ولم يكن ليكتمني شيئاً. فقال زياد: لم أر ما قال هؤلاء، ولكني قد رأيت ريبة، وسمعت نفساً عالياً. فجلدهم عمر وخلى عن زياد.
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن أنزل البصرة الناس، فيكونوا بها، ويغزوا عدوهم من قريب.

(7/379)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية