الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : مقدمة ابن خلدون
    المؤلف : ابن خلدون
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك، وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني، وهو بخار لطيف مركزه بالتجوبف الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره. وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الأفعال البدنية. ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده، وتت أفعال القوى التي في بطونه. فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري، وهي متعلقة به لما اقتضتة حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف، ولما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية، صار محلا لآثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة، وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته. وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين، إدراك بالظاهر وهو بالحواس الخمس، وإدراك بالباطن بالقوى الدماغية. وأن هذا الإدراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة. ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية، كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال، وتغشى الروح بكثرة التصرف. فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة. وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها، ورجوعه إلى الحس الباطن. ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل، فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن، وتذهب من ظاهره إلى باطنه، فتكون مشيعة مركبها، وهو الروح الحيواني إلى الباطن. ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل. فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة، وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة، تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية، وأكثر ما تكون معتادة لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريباً. ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة، فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة، وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية، فتدرك بإدراكها الروحاني لأنها مفطورة عليه، وتقتبس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ. ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة. والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير، وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله، ورؤيا من الملك، ورؤيا من الشيطان " . وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه: فالجلي من الله، والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك، وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل والشيطان ينبوع الباطل. هذه حقيقة الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم وهي خواص للنفس الإنسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم، بل كل واحد من الأناسي رأى في نومه ما صدر له في يقظته مراراً غير واحدة، وحصل له على القطع أن النفس مدركه للغيب في النوم، ولا بد. وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال، لأن الذات المدركة واحدة، وخواصها عامة في كل حال. والله الهادي إلى الحق بمنه وفضله.
الإخبار بالمغيبات ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالباً إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه، وإنما تكون النفس متشوفة لذلك الشيء فيقع لها بتلك اللمحة في النوم لا أنها تقصد إلى ذلك فتراه. وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضات ذكر أسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه، ويسمونها الحالومية. وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع التام، وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات الأعجمية وهي، تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته، فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم.

(1/46)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية