الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : عيون الأنباء في طبقات الأطباء
    المؤلف : ابن أبي أصيبعة
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

هو الإمام فخر الدين أبو عبد اللّه محمد بن العمر بن الحسين الرازي أفضل المتأخرين وسيد الحكماء المحدثين، قد شاعت سيادته، وانتشرت في الآفاق مصنفاته وتلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله ثلثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم وكان خوارزمشاه يأتي إليه، وكان ابن الخطيب شديد الحرص جداً في سائر العلو الشرعية والحكمية، جيد الفطرة، حاد الذهن، حسن العبارة، كثير البراعة، قوي النظر في صناعة الطب ومباحثها، عارفاً بالأدب، وله شعر بالفارسي والعربي، وكان عبل البدن، ربع القامة، كبير اللحية، وكان في صوته فخامة، وكان يخطب ببلده الري وفي غيرها من البلاد، ويتكلم على المنبر بأنواع من الحكمة، وكان الناس يقصدونه من البلاد، ويهاجرون إليه من كل ناحية على اختلاف مطالبهم في العلوم، وتفننهم فيما يشتغلون به، فكان كل منهم يجده عند النهاية القصوى فيما يرومه منه، وكان الإمام فخر الدين قد قرأ الحكمة على مجد الدولة الجيلي بمراغة، وكان مجد الدين هذا من الأفاضل العظماء في زمانه، وله تصانيف جليلة، وحكى لنا القاضي شمس الدين الخوئي عن الشيخ فخر الدين أنه قال واللّه أنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز، وحدثني محيي الدين قاضي مرند قال لما كان الشيخ فخر الدين بمرند، أقام بالمدرسة التي كان أبي مدرسها، وكان يشتغل عنه بالفقه، ثم اشتغل بعد ذلك لنفسه بالعلوم الحكمية، وتميز حتى لم يوجد في زمانه آخر يضاهيه، واجتمعت به أيضاً بهمدان وهراة، واشتغلت عليه قال وكان لمجلسه جلالة عظية، وكان يتعاظم حتى على الملوك، وكان إذا جلس للتدريس يكون قريباً منه جماعة من تلاميذه الكبار، مثل زين الدين الكشي والقطب المصري وشهاب الدين النيسابوري، ثم يليهم بقية التلاميذ وسائر الخلق على قدر مراتبهم، فكان من يتكلم في شيء من العلوم يباحثونه أولئك التلاميذ الكبار، فإن جرى بحث مشكل أو معنى غريب شاركهم الشيخ فيما هم فيه، وتكلم في ذلك المعنى بما يفوق الوصف،وحدثني شمس الدين محمد الوتار الموصلي قال كنت ببلد هراة وستمائة وقد قصدها الشيخ فخر الدين بن الخطيب من بلد باميان، وهو في أبهة عظية وحشم كثير، فلما ورد إليه تلقاه السلطان بها، وهو حسين بن خرمين، وأكرمه إكراماً كثيراً، ونصب له بعد ذلك منبراً وسجادة في صدر الديوان من الجامع بها ليجلس في ذلك الموضع، ويكون له يوم مشهور يراه فيه سائر الناس ويسمعون كلامه، وكنت في ذلك اليوم حاضراً مع جملة الناس، والشيخ فخر الدين في صدر الإيوان، وعن جانبيه يمنة ويسرة صفان من مماليكه الترك متكئين على السيوف وجاء فيه السلطان حسين بن خرمين صاحب هراة فسلم، وأمره الشيخ بالجلوس قريباً منه، وجاء إليه أيضاً السلطان محمود ابن أخت شهاب الدين الغوري صاحب فيروزكوه، فسلم وأشار إليه الشيخ بالجلوس في موضع آخر قريباً منه من الناحية الأخرى، وتكلم الشيخ في النفس بكلام عظيم وفصاحة بليغة، قال وبينما نحن في ذلك الوقت وإذا بحمامة في دائر الجامع ووراءها صقر يكاد أن يقتنصها وهي تطير في جوانبه إلى أن أعيت، فدخلت الإيوان الذي فيه الشيخ، ومرت طائرة بين الصفين إلى أن رمت بنفسها عنده وبخت، فذكر لي شرف الدين بن عنين أنه عمل عراً على البديه، ثم نهض لوقته واستأذنه في أن يورد شيئاً قد قاله في المعنى فأمره الشيخ بذلك فقال
جاءت سليمان الزمان بشجوها ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرز وأنك ملجأ للخائف
فطرب لها الشيخ فخر الدين واستدناه وأجلسه قريباً منه، وبعث إليه، بعد ما قام من مجلسه، خلعة كاملة ودنانير كثيرة، وبقي دائماً محسناً إليه، قال لي شمس الدين الوتار لم ينشد قدامي لابن خطيب الري سوى هذبن البيتين، وإنما بعد ذلك زاد فيها أبياتاً أخر، هذا قوله، وقد وجدت الأبيات المزادة في ديوانه على هذا المثال
يا ابن الكرام المطعمين إذا استوى في كل مخمصة وثلج خاشف
العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف
وفدت إليك وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستأنف

(1/309)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية