الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المغازي
    المؤلف : الواقدي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال: وحدثني عبد الله بن عامر، عن أبي عمرة بن حماس قال: مرت بنو ليث وحدها، وهم مائتان وخمسون، يحمل لواءها الصعب بن جثامة، فلما مر كبروا ثلاثاً فقال: من هؤلاء؟ قال: بنو ليث. ثم مرت أشجع - وهم آخر من مر وهم ثلثمائة، معهم لواءان، لواءٌ يحمله معقل بن سنان، ولواءٌ مع نعيم بن مسعود. فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمدٍ. فقال العباس: أدخل الله الإسلام في قلوبهم، فهذا من فضل الله عز وجل! فسكت ثم قال: ما مضى بعد محمد! قال العباس: لم يمض بعد، لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد صلى الله عليه وسلم رأيت الحديد والخيل والرجال، وما ليس لأحدٍ به طاقة، قال: أظن والله يا أبا الفضل؛ ومن له بهؤلاء طاقة سوادٌ وغبرةٌ من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: ما مر محمدٌ! فيقول العباس: لا. حتى مر يسير على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وهو يحدثهما، فقال العباس: هذا رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، فيها الرايات والألوية، مع كل بطنٍ من الأنصار رايةٌ ولواءٌ، في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيها زجلٌ - وعليه الحديد - بصوتٍ عالٍ وهو يزعجها، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، من هذا المتكلم؟ قال: عمر ابن الخطاب. قال: لقد أمر أمر بني عدي بعد - والله - قلةٍ وذلةٍ! فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإسلام. ويقال: كان في الكتيبة ألف دارعٍ. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية النبي صلى الله عليه وسلم نادى: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة! اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشاً! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين مر بنا قال يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة! اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشاً! وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبر الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس. قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: يا رسول الله، ما نأمن سعداً أن يكون منه في قري صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم يوم المرحمة! اليوم أعز الله فيه قريشاً! قال: وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعدٍ فعزله، وجعل اللواء إلى قيس بن سعد، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج من سعدٍ حين صار لابنه. فأبى سعدٌ أن يسلم اللواء إلا بأمارةٍ من النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامته، فعرفها سعدٌ فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل، عن أهله، قالوا: دخل والله سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون. وقال ضرار بن الخطاب الفهري: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر علياً رضي الله عنه فأخذ اللواء، فذهب علي رضي الله عنه بها حتى دخل بها مكة فغرزها عند الركن. وقال أبو سفيان: ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط، ولا خبرنيه مخبر! سبحان الله، ما لأحدٍ بهذه طاقةٌ ولا يدان! ثم قال: لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً! قال، قلت: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملكٍ ولكنها نبوةٌ. قال: نعم! قال: فحدثني عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن ساعدة، قال: قال له العباس: فانج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم. قال: فخرج أبو سفيان فتقدم الناس كلهم حتى دخل من كداءٍ وهو يقول: من أغلق بابه فهو آمن! حتى انتهى إلى هند بنت عتبة، فأخذت برأسه فقالت: ما وراءك؟ قال: هذا محمد في عشرة آلافٍ عليهم الحديد، وقد جعل لي: من دخل داري فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمنٌ، ومن طرح السلاح فهو آمنٌ. قالت: قبحك الله رسول قوم. قال: وجعل يصرخ بمكة: يا معشر قريش، ويحكم! إنه قد جاء ما لا قبل لكم به! هذا محمد في عشرة آلافٍ عليهم الحديد، فأسلموا! قالوا: قبحك الله وافد قومٍ! وجعلت هند تقول: اقتلوا وافدكم هذا، قبحك الله وافد قومٍ. قال: يقول أبو سفيان: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم! رأيت ما لم تروا! رأيت الرجال والكراع والسلاح، فلا لأحدٍ بهذا طاقة!

(1/333)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية