الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المغازي
    المؤلف : الواقدي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان حصن الصعب بن معاذ في النطاة، وكان حصن اليهود فيه الطعام والودك والماشية والمتاع، وكان فيه خمسمائة مقاتل، وكان الناس قد أقاموا أياماً يقاتلون وليس عندهم طعامٌ إلا العلف . قال معتب الأسلمي: أصابنا معشر أسلم خصاصةٌ حين قدمنا خيبر، وأقمنا عشرة أيام على حصن النطاة لا نفتح شيئاً فيه طعام، فأجمعت أسلم أن يرسلوا أسماء بن حارثة فقالوا: ايت محمداً رسول الله فقل: إن أسلم يقرئونك السلام ويقولون إنا قد جهدنا من الجوع والضعف. فقال بريدة بن الحصيب: والله إن رأيت كاليوم قط أمراً بين العرب يصنعون فيه هذا! فقال عند بن حارثة: والله إنا لنرجو أن تكون البعثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الخير. فجاءه أسماء بن حارثة فقال: يا رسول الله، إن أسلم تقول: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا. فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما بيدي ما أقريهم . ثم صاح بالناس فقال: اللهم افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعاماً وأكثره ودكاً. ودفعوا باللواء إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وندب الناس، فما رجعنا حتى فتح الله علينا الحصن - حصن الصعب بن معاذ. فقالت أم مطاع الأسلمية، وكانت قد شهدت خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء، قالت: لقد رأيت أسلم حين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكوا من شدة الحال، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهضوا، فرأيت أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ، وإن عليه لخمسمائة مقاتل، فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه الله، وكان عليه قتال شديد. برز رجلٌ من اليهود يقال له يوشع يدعو إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن المنذر فاختلفا ضرباتٍ فقتله الحباب. وبرز آخر يقال له الزيال، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري فبدره الغفاري فيضربه ضربةً على هامته، وهو يقول: خذها وأنا الغلام الغفاري! فقال الناس: بطل جهاده. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بأسٌ به، يؤجر ويحمد.
وكان أبو اليسر يحدث أنهم حاصروا حصن الصعب بن معاذ ثلاثة أيام، وكان حصناً منيعاً، وأقبلت غنمٌ لرجلٍ من اليهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجلٌ يطعمنا من هذه الغنم؟ فقلت: أنا يا رسول الله، فخرجت أسعى مثل الظبي، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مولياً قال: اللهم متعنا به! فأدركت الغنم وقد دخل أولها الحصن، فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس معي شيء حتى أتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحتا ثم قسمهما، فما بقي أحدٌ من أهل العسكر الذين هم معه محاصرين الحصن إلا أكل منها. فقيل لأبي اليسر: وكم كانوا؟ قال: كانوا عدداً كثيراً. فيقال: أين بقية الناس؟ فيقول: في الرجيع بالمعسكر. فسمع أبو اليسر - وهو شيخ كبير - وهو يبكي في شيءٍ غاظه من بغض ولده، فقال: لعمري بقيت بعد أصحابي ومتعوا بي وما أمتع بهم! لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم متعنا به! فبقي فكان من آخرهم.
وكان أبو رهم الغفاري يحدث قال: أصابنا جوعٌ شديدٌ، ونزلنا خيبر زمان البلح، وهي أرض وخيمة حارةٌ شديدٌ حرها. فبينا نحن محاصرون حصن الصعب بن معاذ فخرج عشرون حماراً منه أو ثلاثون، فلم يقدر اليهود على إدخالها، وكان حصنهم له منعةٌ، فأخذها المسلمون فانتحروها، وأوقدوا النيران وطبخوا لحومها في القدور والمسلمون جياع، ومر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على تلك الحال فسأل فأخبر فأمر منادياً: إن رسول الله ينهاكم عن الحمر الإنسية - قال: فكفوا القدور - وعن متعة النساء، وعن كل ذي ناب ومخلب.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن الفضيل بن مبشر، قال: كان جابر بن عبد الله يقول: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، فذبح قومٌ من المسلمين خيلاً من خيلهم قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ، فقيل لجابر: أرأيت البغال، أكنتم تأكلونها؟ قال: لا.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: ذبحنا بخيبر لبني مازن بن النجار فرسين، فكنا نأكل منهما قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ.

(1/267)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية