الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المغازي
    المؤلف : الواقدي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في الخندق أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبته - وقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضروبة من أدمٍ في أصل الجبل عند المسجد الذي في أسفل الجبل - معه أبو بكر رضي الله عنه والمسلمون على خندقهم يتناوبون، معهم بضعةٌ وثلاثون فرساً، والفرسان يطوفون على الخندق ما بين طرفيه، يتعاهدون رجالاً وضعوهم في مواضع منه، إلى أن جاء عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، بلغني أن بني قريظة قد نقضت العهد وحاربت. فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من نبعث يعلم لنا علمهم؟ فقال عمر: الزبير بن العوام. فكان أول الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، فقال: اذهب إلى بني قريظة. فذهب الزبير فنظر، ثم رجع فقال: يا رسول الله، رأيتهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم، وقد جمعوا ماشيتهم. فذلك حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حوارياً، وحواري الزبير وابن عمتي.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، فقال: إنه قد بلغني أن بني قريظة قد نقضوا العهد الذي بيننا وبينهم وحاربوا، فاذهبوا فانظروا إن كان ما بلغني حقاً؛ فإن كان باطلاً فأظهروا القول، وإن كان حقاً فتكلموا بكلامٍ تلحنون به أعرفه؛ لا تفتوا أعضاد المسلمين. فلما انتهوا إلى كعب بن أسد وجدوا القوم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم، أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك قبل أن يلتحم الأمر، وألا يطيعوا حيي بن أخطب. فقال كعب: لا نرده أبداً؛ قد قطعته كما قطعت هذا القبال لقبال نعله. ووقع كعب بسعد بن معاذ يسبه، فقال أسيد بن حضير: تسب سيدك يا عدو الله؟ ما أنت له بكفء! أما والله يا ابن اليهود ، لتولين قريشٌ إن شاء الله منهزمةً وتتركك في عقر دارك، فنسير إليك فتنزل من جحرك هذا على حكمنا. وإنك لتعلم النضير؛ كانوا أعز منك وأعظم بهذه البلدة، ديتك نصف ديتهم، وقد رأيت ما صنع الله بهم. وقبل ذلك بنو قينقاع، نزلوا على حكمنا. قال كعب: يا ابن الحضير، تخوفونني بالمسير إلي؟ أما والتوراة، لقد رآني أبوك يوم بعاث - لولا نحن لأجلته الخزرج منها. إنكم والله ما لقيتم أحداً يحسن القتال ولا يعرفه؛ نحن والله نحسن قتالكم! ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين أقبح الكلام، وشتموا سعد بن عبادة شتماً قبيحاً حتى أغضبوه. فقال سعد بن معاذ: دعهم فإنا لم نأت لهذا، ما بيننا أشد من المشاتمة - السيف! وكان الذي يشتم سعد بن عبادة نباش بن قيس فقال: غضضت ببظر أمك! فانتفض سعد بن عبادة غضباً، فقال سعد بن معاذ: إني أخاف عليكم مثل يوم بني النضير. قال غزال بن سموأل: أكلت أير أبيك! قال سعد بن معاذ غير هذا القول أحسن منه. قال: ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال سعد بن عبادة: عضل والقارة. وسكت الرجلان - يريد بعضل والقارة غدرهم بخبيب وأصحاب الرجيع - ثم جلسوا. فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أبشروا يا معشر المسلمين بنصر الله وعونه. وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم البلاء.
قرىء على ابن أبي حبيبة وأنا أسمع، قال: حدثنا محمد بن الثلجي قال: حدثنا الواقدي، قال: فحدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبيد الله بن أبي بكر بن حزم قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير إلى بني قريظة. قال ابن واقد: والأول أثبت عندنا.
قالوا: ونجم النفاق، وفشل الناس، وعظم البلاء، واشتد الخوف، وخيف على الذراري والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر " ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وجاه العدو، لا يستطيعون الزوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم ويحرسونه. وتكلم قومٌ بكلامٍ قبيح، فقال معتب بن قشير: يعدنا محمدٌ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى حاجته، وما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً!

(1/180)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية