الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الكامل في التاريخ
    المؤلف : ابن الأثير
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقال له ابن الصفار: برىء الله منك فقد قصرت، وبرىء الله من ابن الأزرق فقد غلا. فقال الآخر: برىء الله منك ومنه.
فتفرق القوم واشتدت شوكة ابن الأزرق وكثرت جموعه وأقام بالأهواز يجبي الخراج ويتقوى به، ثم أقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة من أهل البصرة.
عبيس بالعين المهملة المضمومة، والباء الموحدة، والياء المعجمة المثناة من تحت، وبالسين المهملة. وعبيدة بن بلال بضم العين المهملة، والباء الموحدة.
ذكر قدوم المختار الكوفة
كانت الشيعة تسب المختار وتعيبه لما كان منه في أمر الحسن بن علي حين طعن في ساباط وحمل إلى أبيض المدائن، حتى إذا كان زمن الحسين، بعث الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وكان المختار في قرية له تدعى لفغا، فجاءه خبر ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر، ولم يكن خروجه عن ميعاد كما سبق، فأقبل المختار في مواليه فانتهى إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أقعد عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فوقف المختار لا يدري ما يصنع، فبلغ خبره عمراً فاستدعاه وآمنه، فحضر عنده.
فلما كان الغد ذكر عمارة بن الوليد بن عقبة أمره لعبيد الله، فأحضره فيمن دخل وقال له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل؟ قال: لم أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو، فضرب وجه المختار فشتر عينه وقال: لولا شادة عمرو لقتلتك! ثم حبسه حتى قتل الحسين.
ثم إن المختار بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يسأله أن يشفع فيه، وكان ابن عمر تزوج أخت المختار صفية بنت أبي عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد يشفع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد يأمره بإطلاقه، فأطلقه وأمره أن لا يقيم غير ثلاث.
فخرج المختار إلى الحجاز، فلقيه ابن العرق وراء واقصة فسلم عليه وسأله عن عينه، فقال: خبطها ابن الزانية بالقضيب فصارت كما ترى، ثم قال: قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأعضاءه إرباً إرباً! ثم سأله المختار عن ابن الزبير، فقال: إنه عائذ بالبيت وإنه يبايع سراً ولو اشتدت شوكته وكثرت رجاله لظهر.
فقال المختار: إنه رجل العرب اليوم وإن اتبع رأيي أكفه أمر الناس. إن الفتنة أرعدت وأبرقت وكأن قد انبعثت، فإذا سمعت بمكان قد ظهرت به في عصابة من المسلمين أطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول بالطف، سيد المسلمين وابن بنت سيد المرسلين وابن سيدها، الحسين بن علي، فوربك لأقتلن بقتله عدة من قتل على دم يحيى بن زكرياء.
ثم سار وابن العرق يعجب من قوله، قال ابن العرق: فوالله لقد رأيت ما ذكره وحدثت به الحجاج بن يوسف، فضحك وقال: لله دره أي رجل ديناً، ومسعر حرب، ومقارع أعداء كان! ثم قدم المختار على ابن الزبير، فكتم عنه ابن الزبير أمره، ففارقه وغاب عنه سنة، ثم سأل عنه ابن الزبير فقيل إنه بالطائف وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومسير الجبارين. فقال ابن الزبير: ما له قاتله الله؟ لقد انبعث كذاباً متكهناً، إن يهلك الله الجبارين يكن المختار أولهم.
فهو في حديثه إذ دخل المختار المسجد فطاف وصلى ركعتين وجلس، فأتاه معارفه يحدثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن مسعر، فأتاه وسأله عن حاله ثم قال له: مثلك يغيب عن الذي قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والأنصار وثقيف! لم تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها فبايع هذا الرجل. فقال: إني أتيته العام الماضي وكتم عني خبره، فلما استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغنٍ عنه. فقال له العباس: القه الليلة وأنا معك. فأجابه إلى ذلك، ثم حضر عند ابن الزبير بعد العتمة، فقال المختار: أبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني وعلى أن أكون أول داخل، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك. فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله. فقال: وشر علماني تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبداً إلا على ذلك.
فبايعه، فأقام عنده وشهد معه قتال الحصين بن نمير وأبلى أحسن بلاء وقاتل أشد قتال، وكان أشد الناس على أهل الشام.

(2/209)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية