الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الكامل في التاريخ
    المؤلف : ابن الأثير
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذكر عزل الوزير أبي شجاع
ووزارة عميد الدولة بن جهير
في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة.
وكان سبب عزله أن إنساناً يهودياً ببغداد يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكيل السلطان ونظام الملك، فلقيه إنسان يبيع الحصر، فصفعه صفعة أزالت عمامته عن رأسه، فأخذ الرجل، وحمل إلى الديوان، وسئل عن السبب في فعله، فقال: هو وضعني على نفسه، فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى العسكر يشكوان، وكانا متفقين على الشكاية من الوزير أبي شجاع.
فلما سارا خرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بالغيار، ولبس ما شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه فهربوا كل مهرب، أسلم بعضهم، فممن أسلم أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب، وابن أخيه أبو نصر هبة الله بن الحسن بن علي صاحب الخبر، أسلما على يدي الخليفة.
ونقل أيضاً عنه إلى السلطان ونظام الملك أنه يكسر أغراضهم ويقبح أفعالهم، حتى إنه لما ورد الخبر بفتح السلطان سمرقند قال: وما هذا مما يبشر به، كأنه قد فتح بلاد الروم، هل أتى إلا إلى قوم مسلمين موحدين، فاستباح منهم ما لا يستباح من المشركين! فلما وصل كوهرائين وابن سمحا إلى العسكر وشكوا من الوزير إلى السلطان ونظام الملك، وأخبراهما بجميع ما يقول عنهما، ويكسر من أغراضهما، أرسلا إلى الخليفة في عزله، فعزله، وأمره بلزوم بيته، وكان عزله يوم الخميس، فلما أمر بذلك أنشد:
تولاها وليس له عدو، ... وفارقها وليس له صديق
فلما كان الغد، يوم الجمعة، خرج من داره إلى الجامع راجلاً، واجتمع الخلق العظيم عليه، فأمر أن لا يخرج من بيته، ولما عزل استنيب في الوزراة أبو سعد بن موصلايا، كاتب الإنشاء، وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي عميد الدولة بن جهير ليستوزره، فسير إليه، فاستوزره في ذي الحجة من هذه السنة، وركب إليه نظام الملك، فهنأه بالوزارة في داره، وأكثر الشعراء تهنئته بالعود إلى الوزارة.
ذكر ملك أمير المسلمين بلاد الأندلس التي للمسلمين
في هذه السنة، في رجب، ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، صاحب بلاد المغرب، من بلاد الأندلس ما هو بيد المسلمين: قرطبة وإشبيلية، وقبض على المعتمد بن عباد صاحبها، وملك غيرها من الأندلس.
ولقد جرى للرشيد بن المعتمد حادثة شبيهة بحادثة الأمين محمد بن هارون الرشيد. قال أبو بكر عيسى بن اللبانة الداني، من مدينة دانية: كنت يوماً عند الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، فجرى ذكر غرناطة، وملك أمير المسلمين لها، وقد ذكرنا أخذها في وقعة الزلاقة، فلما ذكرناها تفجع، وتلهف، واسترجع، وذكر قصرها، فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام. فأمر عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت، وطال عليها سالف الأبد
فاستحالت مسرته، وتجهمت أسرته. ثم أمر بالغناء من ستارته فغني:
إن شئت أن لا ترى صبراً لمصطبر، ... فانظر إلى أي حال أصبح الطلل
فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء، فغنت:
يا لهف نفسي على مال أفرقه ... على المقلين من أهل المروءات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات
قال ابن اللبانة: فتلافيت الحال بأن قمت فقلت:
محل مكرمة لا هد مبناه، ... وشمل مأثرة لا شته الله
البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفاً، ... إن الرشيد مع المعتد ركناه
ثاو على أنجم الجوزاء مقعده، ... وراحل في سبيل الله مثواه
حتم على الملك أن يقوى وقد وصلت ... بالشرق والغرب يمناه ويسراه
بأس توقد، فاحمرت لواحظه ... ونائل شب، فاخضرت عذاراه
فلعمري قد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعض أنسه. على أني وقعت فيما وقع فيه الكل بقولي البيت كالبيت. وأمر إثر ذلك بالغناء فغني:
ولما قضينا من منى كل حاجة، ... ولم يبق إلا أن تزم الركائب

(4/334)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية