الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الكامل في التاريخ
    المؤلف : ابن الأثير
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهارائين، أراد قتله ولم يعرفه، فقال له خادم مع الملك: لاتقتله، فإنه الملك.
وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك، فرده استحقاراً له، فأثنى عليه كوهرائين، فقال نظام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيراً، فكان كذلك.
فلما أسر الغلام الملك أحضره عند كوهرائين، فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك، فأمر بإحضاره، فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده وقال له: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد! فقال الس: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام، والأخرى بعيدة، وهي العفو، وقبول الأموال، واصطناعي نائباً عنك. قال: ما عزمت على غير هذا.
ففداه بألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله في خيمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، فأطلق له جماعة من البطارقة، وخلع عليه من الغد، فقال ملك الروم: أين جهة الخليفة؟ فدل عليها، فقام وكشف رأسه وأومأ إلى الأرض بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيره إلى بلاده، وسير معه عسكراً أوصلوه إلى مأمنه، وشيعه السلطان فرسخاً.
وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر، فلبس الصوف وأظهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان، وقال: إن شئت أن تفعل ما استقر، وإن شئت أمسكت، فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر، وطلب وساطته، وسؤال السلطان في ذلك.
وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار، فأرسله إلى السلطان، وطبق ذهب عليه جواهر بتسعين ألف دينار، وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك، ثم إن أرمانوس استولى على أعمال الأرمن وبلادهم. ومدح الشعراء السلطان، وذكروا هذا الفتح، فأكثروا.
ذكر ملك أتسز الرملة وبيت المقدس
في هذه السنة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، بلد الشام، فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين، ففتح مدينة الرملة، وسار منها إلى البيت المقدس وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما من البلاد، ما عدا عسقلان، وقصد دمشق فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، وقطع الميرة عنها، فضاق الأمر بالناس، فصبروا، ولم يمكنوه من ملك البلد، فعاد عنه، وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني، الفقيه الشافعي، مصنف كتاب الإبانة وغيره.
وفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، صاحب التاريخ والمصنفات الكثيرة ببغداد، وكان إمام الدنيا في زمانه، وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي.
وتوفي أيضاً فيها، في شهر رمضان، أبو يعلى محمد بن الحسين بن حمزة الجعفري، فقيه الإمامية، وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن عبد الله المنيعي المخزومي من أهل مرو الروذ، كان كثير الصدقة والمعروف، والعبادة، والقنوع بالقليل من القوت، والإعراض عن زينة الدنيا وبهجتها، وكان السلاطين يزورونه ويتبركون به، وأكثر من بناء المساجد والخانقاهات والقناطر، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
وتوفيت أيضاً كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية، وهي التي تروي صحيح البخاري، توفيت بمكة، وإليها انتهى علو الإسناد للصحيح إلى أن جاء أبو الوقت.
ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة
ذكر ولاية سعد الدولة كوهرائين شحنكية بغداد
في ربيع الأول من هذه السنة ورد إيتكين السليماني شحنة بغداد من عند السلطان إلى بغداد، فقصد دار الخلافة، وسأل العفو عنه، وأقام أياماً، فلم يجب إلى ذلك.

(4/299)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية