الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : السلوك لمعرفة دول الملوك
    المؤلف : المقريزي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وصار مع هذا جميع الحل والعقد، والأمر والنهي لأصحابه الذين قدموا معه، فنفرت قلوب البحرية منه، واتفقوا على قتله، وما هو إلا أن مد السماط بعد نزوله بفارسكور، في يوم الاثنين سادس عشري المحرم، وجلس السلطان على عادته، تقدم إليه واحد من البحرية - وهو بيبرس البندقداري، الذي صار إليه ملك مصر - وضربه بالسيف: فتلقاه المعظم بيده فبانت أصابعه، والتجأ إلى البرج الخشب الذي نصب له بفارسكور وهو يصيح: من جرحني. قالوا: الحشيشة، فقال: لا والله إلا البحرية! والله لا أبقيت منهم بقية، واستدعى المزين ليداوي يده. فقال البحرية بعضهم لبعض: تمموه وإلا أبادكم، فدخلوا عليه بالسيوف. ففر المعظم إلى أعلى البرج وأغلق بابه، والدم يسيل من يده، فأضرموا النار في البرج، ورموه بالنشاب فألقى نفسه من البرج، وتعلق بأذيال الفارس أقطاي، واستجار به فلم يجره، وفر المعظم هارباً إلى البحر، وهو يقول: ما أريد ملكاً، دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين ما فيكم من يصطعني ويجيرني، هذا وجميع العسكر واقفون، فلم يجبه أحد والنشاب يأخذه من كل ناحية. وسبحوا خلفه في الماء، وقطعوه بالسيوف قطعاً، حتى مات جريحاً حريقاً غريقاً، وفر أصحابه واختفوا.
وترك المعظم على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخاً، لا يقدر أحد أن يتجاسر على دفنه، إلى أن شفع فيه رسول الخليفة، فحمل إلى ذلك الجانب وفي فن، فكانت مدة ملكه أحداً وسبعين يوماً. وقيل مرة لأبيه في الإرسال إليه، ليحضر من حصن كيفا إلى مصر، فأبى، وألح عليه الأمير حسام الدين أبو علي في طلب حضوره، فقال: متى حضر إلى هنا قتلته. وكان المباشر لقتله أربعة من مماليك أبيه، وكان الملك الصالح نجم الدين لما أراد أن يقتل أخاه العادل، قال الطواشي محسن: اذهب إلى أخي العادل في الحبس، وخذ معك من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جماعة من المماليك، وكلهم يمتنع إلا أربعة منهم، فمضى بهم حتى خنقوا العادل. فقدر الله أن هؤلاء الأربعة هم الذين باشروا قتل ابنه المعظم أقبح قتلة. وروي في النوم الملك الصالح نجم الدين بعد قتل ابنه الملك المعظم تورانشاه، وهو يقول:
قتلوه شر قتله ... صار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلا ... لا ولا من كان قبله
ستراهم عن قريب ... لأقل الناس أكله
فكان ما يأتي، ذكره من الواقعة بين المصريين والشاميين، بين المعز أيبك والناصر صلاح الدين يوسف بن عبد العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، وهو صاحب حلب وعدم فيها عدة من الأعيان. وبقتل المعظم انقرضت دولة بني أيوب من أرض مصر، وكانت مدتهم إحدى وثمانين سنة، وعدة ملوكهم ثمانية، كما مر ذكرهم. فسبحان الباقي، وما سواه يزول.
الملكة عصمة الدين أم خليل شجر الدر
كانت تركية الجنس، وقيل بل أرمنية، اشتراها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وحطت عنده بحيث كان لا يفارقها سفراً ولا حضراً. وولدت منه ابنا اسمه خليل، مات وهو صغير. وهذه المرأة شجر الدر، هي أول من ملك مصر من ملوك الترك المماليك، وذلك أنه لما قتل الملك المعظم غياث الدين تورانشاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، كما تقدم ذكره، اجتمع الأمراء المماليك البحرية، وأعيان الدولة وأهل المشورة، بالدهليز السلطاني، واتفقوا على إقامة شجر الدر أم خليل زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب في مملكة مصر، وأن تكون العلامات السلطانية على التواقيع تبرز من قبلها، وأن يكون مقدم العسكر الأمير عز الدين أيبك الزكماني الصالحي أحد البحرية. وحلفوا على ذلك في عاشر صفر، وخرج عز الدين الرومي من المعسكر إلى قلعة الجبل، وأنهى إلى شجر الدر ما جرى من الاتفاق، فأعجبها، وصارت الأمور كلها معقودة بها، والتواقيع تبرز من قلعة الجبل، وعلامتها عليها والدة خليل. وخطب لها على منابر مصر والقاهرة، ونقش اسمها على السكة، ومثاله المستعصمة الصالحية، ملكة المسلمين، والدة الملك المنصور خليل أمير المؤمنين، وكان الخطباء يقولون في الدعاء: اللهم أدم سلطان الستر الرفيع، والحجاب المنيع، ملكة المسلمين، والدة الملك الخليل، وبعضهم يقول، بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجبة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية صاحبة الملك الصالح.

(1/118)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية