الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الإحاطة في أخبار غرناطة
    المؤلف : لسان الدين ابن الخطيب
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجزء الأول
القسم الأول
في حلى المعاهد والأماكن والمنازل والمساكن
في اسم هذه المدينة
ووضعها على إجمالٍ واختصار
يقال غرناطة ويقال إغرناطة، وكلاهما أعجمى، وهي مدينة كورة إلبيرة، فبينهما فرسخان وثلثا فرسخ. وإلبيرة من أعظم كور الأندلس، ومتوسطة ما اشتمل عليه الفتح من البلاد، وتسمى في تاريخ الأمم السالفة من الروم، سنام الأندلس، وتدعى في القديم بقسطيلية. وكان لها من الشهرة والعمارة، ولأهلها من الثروة والعدة، وبها من الفقهاء والعلماء، ما هو مشهور. قال أبو مروان ابن حيان: كان يجتمع بباب المسجد الجامع من إلبيرة خمسون حكمة كلها من فضة لكثرة الأشراف بها. ويدل على ذلك آثارها الخالدة، وأعلامها الماثلة، كطلل مسجدها الجامع، الذي تحامى استطالة البلى، كسلت عن طمس معالمه أكف الردى، إلى بلوغ ما فسح له من المدى.
بناه الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم، أمير المؤمنين الخليفة بقرطبة رحمه الله، على تأسيس حنش بن عبد الله الصنعاني الشافعي رحمه الله، وعلى محرابه لهذا الوقت: بسم الله العظيم، بنيت لله، أمر ببنائها الأمير محمد بن عبد الرحمن، أكرمه الله، رجاء ثوابه العظيم، وتوسيعاً لرعيته، فتم بعون الله على يدي عبد الله بن عبد الله عامله على كورة إلبيرة في ذي قعدة سنة خمسين ومائتين.
ولم تزل الأيام تخيف ساكنها، والعفاء يتبوأ مساكنها، والفتن الإسلامية تجوس أماكنها، حتى شملها الخراب، وتقسم قاطنها الاغتراب، وكل الذي فوق التراب تراب. وانتقل أهلها مدة أيام الفتنة البربرية سنة أربعمائة من الهجرة، فما بعدها، ولجأوا إلى مدينة غرناطة، فصارت حاضرة الصقع، وأم المصر، وبيضة ذلك الحق، لحصانة وضعها، وطيب هوائها، ودرور مائها، ووفور مدتها، فأمن فيها الخائف، ونظم النشر، ورسخت الأقدام، وتأثل المصر، وهلم جرا. فهي بالأندلس، قطب بلاد الأندلس، ودار الملك، وقرى الإمارة، أبقاها الله متبوأ الكلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بقدرته.
من كتاب إلبيرة. قال: بعد ذكر إلبيرة، وقد خلفها بعد ذلك كله مدينة غرناطة من أعظم مدنها وأقدمها، عندما انقلبت العمارة إليها من إلبيرة، ودارت أفلاك البلاد الأندلسية، فهي في وقتنا هذا قاعدة الدنيا، وقرارة العليا، وحاضرة السلطان، وقبة العدل والإحسان. لا يعد لها في داخلها ولا خارجها بلد من البلدان، ولا يضاهيها في اتساع عمارتها، وطيب قرارتها، وطنٌ من الأوطان. ولا يأتي على حصر أوصاف جمالها، وعد أصناف جلالها، قلم البيان. أدام الله فيها العز للمسلمين والإسلام، وحرسها ومن اشتملت عليه من خلفائه، وأنصار لوائه، بعينه التي لا تنام، وركنه الذي لا يرام.
وهذه المدينة من معمور الإقليم الخامس، يبتدىء من الشرق، من بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمر على شمال خراسان، ويمر على سواحل الشأم، مما يلي الشمال، ويمر على بلاد الأندلس، قرطبة وإشبيلية وما والاها إلى البحر المحيط الغربي. وقال صاعد بن أحمد في كتاب الطبقات إلى معظم الأندلس في الإقليم الخامس، وطائفة منها في الإقليم الرابع، كمدينة إشبيلية، ومالقة، وغرناطة، وألمرية ومرسية.
وذكر العلماء بصناعة الأحكام أن طالعها الذي اختطت به السرطان، ونحلوها، لأجل ذلك، مزايا، وحظوظاً من السعادة، اقتضاها تسيير أحكام القرانات الانتقالية على عهد تأليف هذا الموضع.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية