الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    [ تاريخ الخلفاء - السيوطي ]
    الكتاب : تاريخ الخلفاء
    المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
    الناشر : مطبعة السعادة - مصر
    الطبعة الأولى ، 1371هـ - 1952م
    تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد
    عدد الأجزاء : 1

يزيد بن معاوية بن أبي سفيان 60هـ ـ 64ه
يزيد بن معاوية : أبو خالد الأموي ولد سنة خمس أو ست و عشرين كان ضخما كثير اللحم كثير الشعر و أمه ميسون بنت بحدل الكليبة
روى عن أبيه و عنه : ابنه خالد و عبد الملك بن مروان جعله أبوه ولي عهده و أكره الناس على ذلك كما تقدم قال الحسن البصري : أفسد أمر الناس اثنان : عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف فحملت و نال من القراء فحكم الخوارج فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة
و المغيرة بن شعبة : فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية : إذا قرأت كتابي فأقبل معزولا فأبطأ عنه فلما ورد عليه قال : ما أبطأ بك ؟ قال أمر كنت أوطئه و أهيئه قال : و ما هو ؟ قال : البيعة ليزيد من بعدك ! قال : أو قد فعلت ؟ قال نعم قال : ارجع إلى عملك فلما خرج قال له أصحابه : ما وراءك ؟ قال : وضعت رجل معاوية في غرزغي لا يزال فيه إلى يوم القيامة
قال الحسن : فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم و لولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة و قال ابن سيرين : وفد عمرو بن حزم على معاوية فقال له : أذكرك الله في أمة محمد صلى الله عليه و سلم بمن تستخلف عليها فقال : نصحت و قلت برأيك و إنه لم يبق إلا ابني و أبناؤهم و ابني أحق و قال عطية بن قيس : خطب معاوية فقال : اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت و أعنه و إن كنت إنما حملني حب الوالد لولده و أنه ليس لما صنعت به أهلا فأقبضه قبل أن يبلغ ذلك فلما مات معاوية بايعه أهل الشام ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة فأبى الحسين و ابن الزبير أن يبايعاه و خرجا من ليلتهما إلى مكة
فأما ابن الزبير فلم يبايع و لا دعا إلى نفسه و أما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية و هو يأبى فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة و يريد المسيرة إليهم أخرى فأشار عليه ابن الزبير بالخروج و كان ابن عباس يقول له : لا تفعل و قال له ابن عمر : لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم خيره الله بين الدنيا و الآخرة فاختار الآخرة و إنك بضعة منه و لا تنالها ـ يعني الدنيا ـ و اعتنقه و بكى و ودعه فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بالخروج و لعمري لقد رأى في أبيه و أخيه عبرة و كلمة في ذلك أيضا جابر بن عبد الله و أبو سعيد و أبو واقد الليثي و غيرهم فلم يطع أحد منهم و صمم على المسير إلى العراق فقال له ابن عباس : و الله إني لأظنك ستقتل بين نسائك و بناتك كما قتل عثمان فلم يقبل منه فبكى ابن عباس و قال : أقررت عين ابن الزبير و لما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له : قد أتى ما أحببت هذا الحسين يخرج و يتركك و الحجاز ثم تمثل :
( يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي و اصفري )
( و نقري ما شئت أن تنقري )
و بعث أهل العراق إلى الحسين الرسل و الكتب يدعونه إليهم فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة و معه طائفة من آل بيته رجالا و نساء و صبيانا فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله فوجه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله فلما رهقه السلاح عرض عليه الاستسلام و الرجوع و المضي إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا قتله فقتل و جيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله و ابن زياد معه و يزيد أيضا
و كان قتله بكربلاء و في قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها فإنا لله و إنا إليه راجعون و قتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته
و لما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام و الشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة و الكواكب يضرب بعضها بعضا و كان قتله يوم عاشوراء و كسفت الشمس ذلك اليوم و احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمره ترى فيها بعد ذلك و لم تكن ترى فيها قبله
و قيل : إنه لم يقلب حجر بيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط و صار الورس الذي في عسكرهم رمادا و نحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران و طبخوها فصارت مثل العلقم و تكلم رجل بالحسين بكلمة فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره قال الثعالبي : روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال : رأيت قي هذا القصر ـ و أشار إلى قصر الإمارة بالكوفة ـ رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه و فارق مكانه
و أخرج الترمذي [ عن سلمى قالت : دخلت على أم سلمة و هي تبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام ـ و على رأسه و لحيته التراب ـ فقلت ما لك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفا ]
و أخرج البيهقي في الدلائل [ عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بنصف النهار أشعث أغبر ـ و بيده قارورة فيها دم ـ فقلت : بأبي و أمي يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين و أصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم ] فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ
و أخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت : سمعت الجن تبكي على حسين و تنوح عليه
و أخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال : أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب : أخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن فقال : ما تلقى أحد إلا أخبرك أنه سمع ذلك قلت : فأخبرني بما سمعت أنت قال : سمعتهم يقولون :
( مسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود )
( أبواه من عليا قري ... ش وجده خير الجدود )
و لما قتل الحسين و بنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك و أبغضه الناس و حق لهم أن يبغضوه
و أخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف [ عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يزال أمر أمتي بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له : يزيد ]
و قال نوفل بن أبي الفرات : كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال : قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية فقال : تقول أمير المؤمنين ؟ و أمر به فضرب عشرين سوطا
و في سنة ثلاث و ستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه و خلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا و أمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاؤوا و كانت وقعة الحرة على باب طيبة و ما أدراك ما وقعة الحرة ؟ ذكرها الحسن مرة فقال : و الله ما كاد ينجوا منهم أحد قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم و من غيرهم و نهبت المدينة و افتض فيه ألف عذراء فإنا لله و إنا إليه راجعون ! قال صلى الله عليه و سلم : [ من أخاف أهل المدينة أخافه الله و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ] رواه مسلم
و كان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي و أخرج الواقدي من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال : و الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن يرمى بالحجارة من السماء ! إنه رجل ينكح أمهات الأولاد و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يدع الصلاة
قال الذهبي : و لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل ـ مع شربه الخمر و إتيانه المنكرات ـ اشتد عليه الناس و خرج عليه غير واحد و لم يبارك الله في عمره و سار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميرا و أتوا مكة فحاصروا ابن الزبير و قاتلوه و رموه بالمنجنيق و ذلك في صفر سنة أربع و ستين و احترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة و سقفها و قرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل و كان في السقف و أهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام فجاء الخبر بوفاته و القتال مستمر فنادى ابن الزبير : يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلك فانقلوا و ذلوا و تخطفهم الناس و دعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه و تسمى بالخلافة و أما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد و لم تطل مدته كما سيأتي
ومن شعر يزيد :
( آب هذا الهم فاكتنعا ... و أمر النوم فامتنعا )
( راعيا للنجم أرقبه ... فإذا ما كوكب طلعا )
( حام حتى إنني لأرى ... أنه بالغور قد وقعا )
( و لها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا )
( نزهة حتى إذا بلغت ... نزلت من جلق بيعا )
( في قباب وسط دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا )
و أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال : أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة معاوية و ابنه ملكا الأرض المقدسة و السفاح و سلام المنصور و جابر و الأمين و أمير الغضب كلهم من بني كعب بن لؤي كلهم صالح لا يوجد مثله قال الذهبي : له طرق عن ابن عمر و لم يرفعه أحد
و أخرج الواقدي عن أبي جعفر الباقر قال : أول من كسا الكعبة الديباج يزيد بن معاوية
مات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين و في وقعة الحرة : أم سلمة أم المؤمنين و خالد بن عرفطة و جرهد الأسلمي و جابر بن عتيك و بريدة بن الحصيب و مسلمة بن مخلد و علقمة بن قيس النخعي الفقيه و مسروق و المسور بن مخرمة و غيرهم رضي الله عنهم
و عدة المقتولين بالحرة من قريش و الأنصار ثلاثمائة و ستة رجال

(1/182)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية