الكتاب : تفسير ابن عجيبة المؤلف : ابن عجيبة مصدر الكتاب : موقع التفاسير http://www.altafsir.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
قلت : { الحمد } مبتدأ ، و { الله } خبر ، وأصله النصب ، وقرئ به ، والأصل : أحمد الله حمداً ، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته ، دون تجدده وحدوثه ، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء . أي : الحمد لله وإن لم تحمدوه . ولو قال ( أحمد الله ) لما أفاد هذا المعنى ، وهو من المصادر التي تُنْصَب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها . والتعريف للجنس؛ أي : للحقيقة من حيث هي ، من غير قيد شيوعها ، ومعناه : الإشارة إلى ما يَعْرِفه كل أحد أن الحمد ما هو . أو للاستغراق؛ إذ الحمد في الحقيقة كُلُّه لله؛ إذ ما من خير إلا وهو مُولِيهِ بواسطة وبغير واسطة . كما قال : { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [ النّحل : 53 ] ، وقيل : للعهد ، والمعهودُ حمدُه تعالى نَفْسَه في أزله . (1/1)
وقُرِئ { الحمد لله } بإتباع الدال للام ، وبالعكس ، تنزيلاً لهما من حيث إنهما يستعملان معاً منزلة كلمة واحدة .
ومعناه في اللغة : الثناءُ بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل ، وفي العُرف : فعل يُنبئ عن تعظيم المُنعم بسبب كونه منعماً . والشكر في اللغة : فعل يُشعر بتعظيم المنعم ، فهو مرادف للحمد العرفي ، وفي العرف : صرفُ العبد جميعَ ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خُلِقَ لأجله وأعطاه إياه . وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النَّسَبِ التي بيناها نظماً ونثراً .
و { الله } اسم مُرْتَجَلٌ جامد ، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف ، قال الواحدي : اسم تفرِّد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام ، لا يُعرف له اشتقاق ، وقال الأقْلِيشي : إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقّاً كان دليلاً على عين الذات ، دون أن يُنظر فيها إلى صفة من الصفات ، وليس باسمٍ مشتق من صفة ، كالعالِم والحق والخالق والرازق ، فالألف واللام على هذا في ( الله ) من نفس الكلمة ، كالزاي من زيد ، وذهب إلى هذا جماعة ، واختاره الغزالي ، وقال : كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسُّف .
وقيل : مشتق من التَّأَلُّهِ وهو التعبد ، وقيل : من الوَلَهَان ، وهو الحيرة؟ لتحيُّر العقول في شأنه . وقيل : أصله : الإلهُ ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام ، ثم وقع الإدغام وفُخمت للتعظيم ، إلا إذا كان قبلها كسر .
و { رب } نعت { لله } ، وهو في الأصل : مصدر بمعنى التربية ، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً ، ثم وُصف به للمبالغة كالصوم والعدل .
وقيل : هو وصفٌ من رَبِّه يَرُبُّهُ ، وأصله : رَبَبَ ثم أُدغم ، سُمي به المالكُ؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى : { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } [ يُوسُف : 50 ] . قال ابن جُزَيّ : ومعانيه أربعة : الإله والسيد والمالك والمصلح ، وكلها تصلح في رب العالمين ، إلا أن الأرجح في معناه ، الإله؛ لاختصاصه بالله تعالى .