الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
    المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
    مصدر الكتاب : موقع التفاسير
    http://www.altafsir.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ فَفِرُّواْ إِلَى الله } [ الذاريات : 50 ] بترك ما سواه عز وجل : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] أي ليعرفون ، وهو عندهم إشارة إلى ما صححوه كشفاً من روايته صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه أنه قال : " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " وفي كتاب «الأنوار السنية» للسيد نور الدين السمهودي يلفظ " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت هذا الخلق ليعرفوني في عرفوني " وفي «المقاصد الحسنة» للسخاوي بلفظ : " كنت كنزاً لا أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني " إلى غير ذلك ، وهو مشكل لأن الخفاء أمر نسبي فلا بد فيه من مخفي ومخفى عنه فحيث لم يكن خلق لم يكن مخفى عنه فلا يتحقق الخفاء ، وأجيب أولاً : بأن الخفاء عن الأعيان الثابة لأن الأشياء في ثبوتها لا إدراك لها وجودياً فكان الله سبحانه مخفياً عنها غير معروف لها معرفة وجودية فأحب أن يعرف معرفة حادثة من موجود حادث فخلق الخلق لأن معرفتهم الوجودية فرع وجودهم فتعرف سبحانه إليهم بأنواع التجليات على حسب تفاوت الاستعدادات فعرفوا أنفسهم بالتجليات فعرفوا الله تعالى من ذلك فبه سبحانه عرفوه ، وثانياً : بأن المراد بالخفاء لازمه وهو عدم معرفة أحد به جل وعلا ، ويؤيده ما في لفظ السخاوي من قوله : لا أعرف بدل مخفياً ، وثالثاً : بأن مخفياً بمعنى ظاهراً من أخفاه أي أظهره على أن الهمزة للإزالة أي أزال خفاءه ، وترتيب قوله سبحانه : { *فأحببت أن أعرف } الخ عليه باعتبار أن الظهور متى كان قوياً أوجب الجهالة بحال الظاهر فخلق سبحانه الخلق ليكونوا كالحجاب فيتمكن معه من المعرفة ، ألا يرى أن الشمس لشدة ظهورها لا تستطيع أكثر الأبصار الوقوف على حالها إلا بواسطة وضع بعض الحجب بينها وبينها وهو كما ترى لا يخلو عن بحث ، وأما إطلاق الكنز عليه عز وجل فقد ورد ، روى الديلمي في «مسنده» عن أنس مرفوعاً كنز المؤمن ربه أي فإن منه سبحانه كل ما يناله من أمر نفيس في الدارين ، والشيخ محيى الدين قدس سره ذكر في معنى الكنز غير ذلك فقال في الباب الثلثمائة والثمانية والخمسين من فتوحاته : لو لم يكن في العالم من هو على صورة الحق ما حصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في قوله : { كُنتُ } الخ فجعل نفسه كنزاً ، والكنز لا يكون إلا مكتنزاً في شيء فلم يكن كنز الحق نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوته هناك كان الحق مكنوزاً فلما ألبس الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه الإنسان الكامل بوجوده وعلم أنه سبحانه كان مكنوزاً فيه في شيئية ثبوته وو لا يشعر به انتهى ، وهو منطق الطير الذي لا نعرفه نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى بمنه وكرمه .

(19/418)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية