الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الكشاف
    المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
    مصدر الكتاب : موقع التفاسير
    http://www.altafsir.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها ، كما بدىء بذكرها في كل أمر ذي بال ، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ومن تابعه ، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة . وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله ، ولذلك يجهرون بها . وقالوا : قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن ، ولذلك لم يثبتوا { آَمِينٌ } فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها . وعن ابن عباس : «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى» .
فإن قلت : بم تعلقت الباء؟ قلت : بمحذوف تقديره : بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء ، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال : بسم الله والبركات ، كان المعنى : بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله؛ ب «بسم الله» كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له . ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ : { في تسع آّيات إلى فرعون وقومه } [ النمل : 12 ] ، أي اذهب في تسع آيات . وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس : بالرفاء والبنين ، وقول الأعرابي : باليمن والبركة ، بمعنى أعرست ، أو نكحت . ومنه قوله :
فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم ... فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَا
فإن قلت : لم قدّرت المحذوف متأخراً؟ قلت : لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون : باسم اللات ، باسم العزى ، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء ، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص . والدليل عليه قوله : { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود : 41 ] . فإن قلت : فقد قال : { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق : 1 ] ، فقدّم الفعل . قلت : هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم . فإن قلت : ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك : كتبت بالقلم ، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتداً به في الشرع ، واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام :
( 1 ) " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " إلا كان فعلا كلا فعل ، جعل فعله مفعولاً باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم . والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله : { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] على معنى : متبرّكاً بسم الله أقرأ ، وكذلك قول الداعي للمعرس : بالرفاء والبنين ، معناه أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين ، وهذا الوجه أعرب وأحسن؛ فإن قلت : فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركاً باسم الله أقرأ؟ قلت : هذا مقول على ألسنة العباد ، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره ، وكذلك : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } إلى آخره ، وكثير من القرآن على هذا المنهاج ، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه ، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه .

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية