الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : مفاتيح الغيب
    المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
    مصدر الكتاب : موقع التفاسير
    http://www.altafsir.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ فالمدبرات أَمْراً } [ النازعات : 5 ] فقوله : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة ، فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة .
ثم ههنا دقيقة ، وهي أن قوله : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله ، وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد ، وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحداً إلا الله تعالى؛ لم يستعذ إلا بالله ، ولم يلتجىء إلا إلى الله ، ولم يعول إلا على الله ، فلا جرم يقول : ( أعوذ بالله ) و ( أعوذ من الله بالله ) كما قال عليه السلام « وأعوذ بك منك » واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلاً أيضاً بغير الله لأن الاستعاذة لا بدّ وأن تكون لطلب أو لهرب ، وذلك اشتغال بغير الله تعالى ، فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضاً عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقاً في نور قوله : ( بسم الله ) ألا ترى أنه عليه السلام لما قال : « وأعوذ بك منك » ترقى عن هذا المقام فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك »
المستعيذ :
الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله ( أعوذ بالله ) أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك ، وهذا غير مختص بشخص معين ، فهو أمر على سبيل العموم؛ لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء ، وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذاً بالله ، فالأول : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } [ هود : 47 ] فعند هذا أعطاه الله خلعتين ، والسلام والبركات ، وهو قوله تعالى : { قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ } [ هود : 48 ] والثاني : حكي عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال : { مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } [ يوسف : 23 ] فأعطاه الله تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال : { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء } [ يوسف : 24 ] والثالث : قيل له : { خُذِ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } [ يوسف : 78 ] فقال : { مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } [ يوسف : 79 ] فأكرمه الله تعالى بقوله : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } [ يوسف : 100 ] الرابع : حكى الله عن موسى عليه السلام أنه لما أمر قومه بذبح البقرة / قال قومه : { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين }

(1/64)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية