الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


ومحل الإنكار ابتداء هو جعلهم بعض ما رزقهم الله حراما عليهم . وأما عطف ( حلالا ) على ( حراما ) فهو إنكار بالتبع لأنهم لما عمدوا إلى بعض ما أحل الله لهم فجعلوه حراما وميزوه من جملة الرزق فقد جعلوا الحلال أيضا حلالا أي بجعل جديد إذ قالوا هو حلال فجعلوا أنفسهم مهيمنين على أحكام الله إذ عمدوا إلى الحلال منها فقلبوه حراما وأبقوا بعض الحلال على الحل فلولا أنهم أبقوه على الحل لما بقي عندهم حلالا ولتعطل الانتفاع به فلذلك أنكر عليهم جعل بعض الرزق حراما وبعضه حلالا وإلا فانهم لم يجعلوا ما كان حراما حلالا إذ لم يكن تحريم في الجاهلية
وقوله ( حلالا ) عطف على ( حراما ) والتقدير : ومنه حلالا لأن جميع ما رزقهم الله لا يعدو بينهم هذين القسمين وليس المعنى فجعلتم بعضه حراما وحلالا وبعضه ليس بحرام ولا حلال لأن ذلك لا يستقيم
وتقديم اسم الجلالة وهو مسند إليه على خبره الفعلي في قوله ( الله أذن لكم ) لتقوية الحكم مع الاهتمام . وتقديم المجرور على عامله في قوله ( أم على الله تفترون ) للاهتمام بهذا المتعلق تشنيعا لتعليق الافتراء به . وأظهر اسم الجلالة لتهويل الافتراء عليه
وحذف متعلق ( أذن ) لظهوره . والتقدير : الله أذن لكم بذلك الجعل
( وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) عطف على جملة ( قل أرأيتم ) فهو كلام غير داخل في القول المأمور به ولكنه ابتداء خطاب لجميع الناس . و ( ما ) للاستفهام . والاستفهام مستعمل في التعجيب من حالهم . والمقصود به التعريض بالمشركين ليستفيقوا من غفلتهم ويحاسبوا أنفسهم
ولذلك كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ( هم ) مضافا إليه الظن إما ضمير خطاب أو غيبة . فيقال : وما ظنكم أو وما ظنهم فعدل عن مقتضى الظاهر إلى الإتيان بالموصول بالصلة المختصة بهم للتنبيه على أن الترديد بين أن يكون الله أذن لهم فيما حرموه وبين أن يكونوا مفترين عليه قد انحصر في القسم الثاني وهو كونهم مفترين إذ لا مساغ لهم في ادعاء أنه أذن لهم فإذا تعين أنهم مفترون فقد صار الافتراء حالهم المختص بهم . وفي الموصول إيذان بعلة التعجيب من ظنهم بأنفسهم يوم القيامة
وحذف مفعولا الظن لقصد تعميم ما يصلح له أي ما ظنهم بحاله وبجزائهم وبأنفسهم . وانتصب ( الكذب ) على المفعول المطلق واللام فيه لتعريف الجنس كأنه قيل كذبا ولكنه عرف لتفظيع أمره أي هو الكذب المعروف عند الناس المستقبح في العقول
و ( يوم القيامة ) منصوب على الظرفية وعامله الظن أي ما هو ظنهم في ذلك اليوم أي إذا رأوا الغضب عليهم يومئذ ماذا يكون ظنهم أنهم لاقون وهذا تهويل
وجملة ( إن الله لذو فضل على الناس ) تذييل للكلام المفتتح بقوله ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ) . وفيه قطع لعذر المشركين وتسجيل عليهم بالتمرد بأن الله تفضل عليهم بالرزق والموعظة والإرشاد فقابلوا ذلك بالكفر دون الشكر وجعلوا رزقهم أنهم يكذبون في حين قابله المؤمنون بالفرح والشكر فانتفعوا به في الدنيا والآخرة
( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/2035)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية