الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : سلسلة التفسير لمصطفى العدوي
    المؤلف : أبو عبد الله مصطفى بن العدوى شلباية المصري
    مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
    http://www.islamweb.net
    [الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 110 درسا]

تفسير قوله تعالى: ( لا أقسم بهذا البلد )
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة البلد: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } [البلد:1] وهذا قد يرد عليه إشكال! فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالبلد، قال الله سبحانه وتعالى: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ } [التين:1-3]، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالبلد.
والآية التي نحن بصددها: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } نافية للقسم بهذا البلد، وابتداء: البلد هي مكة، وقد نقل فريق من أهل العلم الإجماع على أن المراد بالبلد مكة، ثم نرجع فنقول: كيف نجمع بين قوله تعالى: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } ، وبين قوله تعالى: { وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ } [التين:3] ؟ للعلماء في ذلك أقوال: هذه الأقوال تنصب على تفسير: (لا) في قوله تعالى: (لا أُقْسِمُ)، فمن العلماء من يقول: إن (لا) نافية لشيء قد تقدم، فالمعنى: أن المشركين كانوا ينكرون البعث، ويقولون: لا بعث، فقال الله لهم: (لا) فهناك بعث، ثم أكد هذا بقوله سبحانه: أقسم على ذلك بهذا البلد، هذا التأويل مبني على الربط بين السور ببعضها، وبين المعاني ببعضها، فهذا القول الأول، حاصله: أن (لا) نافية لشيء متقدم، ثم ابتدئ الكلام بقوله: أقسم على هذا المنفي بهذا البلد.
ووجه الاعتراض على هذا القول الأول: أن الأصل أن كل سورة مستقلة بنفسها، ولا دليل على أن نربط بين السورة والأخرى إلا إذا جاء في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: أن (لا) زائدة، ومثال ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى: { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [الحديد:29] ، فقوله سبحانه: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) المراد به: ليعلم، وقوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [الأعراف:12] ، فالمعنى: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، و(لا) زائدة على قول بعض العلماء.
والشاهد من شعر العرب قول الشاعر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع فـ(لا) أيضاً هنا زائدة.
واعترض على هذا: بأنه ليس في القرآن حرف زائد، وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، ولغة العرب فيها أشياء زائدة كي يتكامل بها المعنى ويتسق.
القول الثالث: أن (لا) نافية، لكن ليس لشيء متقدم، إنما هو للشيء الآتي، فالمعنى: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } [البلد:1-2] يعني: لا أقسم بهذا البلد أثناء وجودك، وقد أحللت لك هذه البلدة كما سيأتي بيانه، يعني: لا أقسم بهذا البلد أثناء وجودك فيه في الوقت الذي أحللت لك هذه البلدة تفعل فيها ما تشاء.
إذاً: هي ثلاثة أقوال للجمع بين قوله تعالى: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } وبين قوله تعالى: { وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ } [التين:3] : أحدها: أن (لا) نافية لشيء متقدم.
الثاني: أن (لا) زائدة.
الثالث: أن (لا) نافية باعتبار ما هو آت، يعني: لا أقسم بهذا البلد حينما أحللت لك هذه البلدة.
فقوله تعالى على فرض أن (لا) زائدة (أقسم بهذا البلد)، فيه أن الله أقسم بالبلد، وبعض العلماء يورد هنا، وما كان في مثل هذا المقام تقديراً محذوفاً، فيقول مثلاً: قوله تعالى: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [الشمس:1]، فيريد أن يفر من القسم بغير الله، وقال: إن الله لا يقسم إلا بنفسه، فقال: إن قوله تعالى: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [الشمس:1]، (وَهَذَا الْبَلَدِ) فيها تقدير محذوف (لا أقسم بهذا البلد) أي: أقسم برب هذا البلد، { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [الشمس:1] أي: ورب الشمس وضحاها، وهذا القول قول ضعيف؛ لأنه إذا قلنا: إن المقدر ورب الشمس وما ضحاها، ورب القمر إذا تلاها، ورب النهار إذا جلاها، سنأتي إلى قوله تعالى: { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } [الشمس:5] سنقع في إشكال، فكيف نقول: ورب السماء ورب ما بناها؟! فالذي بناها هو الله، فهذا وجه تضعيف هذا القول.

(93/2)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية