الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : في ظلال القرآن
    المؤلف : سيد قطب
    مصدر الكتاب : موقع التفاسير
    http://www.altafsir.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

.
وهو عذاب دائم ، وفي درجة شديدة عصيبة . لا يفتر لحظة ، ولا يبرد هنيهة . ولا تلوح لهم فيه بارقة من أمل في الخلاص ، ولا كوة من رجاء بعيد . فهم فيه يائسون قانطون :
{ لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون } . .
كذلك فعلوا بأنفسهم ، وأوردوها هذا المورد الموبق ، ظالمين غير مظلومين :
{ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } . .
ثم تتناوح في الجو صيحة من بعيد . صيحة تحمل كل معاني اليأس والكرب والضيق :
{ ونادوا : يا مالك . ليقض علينا ربك } . .
إنها صيحة متناوحة من بعد سحيق . من هناك من وراء الأبواب الموصدة في الجحيم . إنها صيحة أولئك المجرمين الظالمين . إنهم لا يصيحون في طلب النجاة ولا في طلب الغوث . فهم مبلسون يائسون . إنما يصيحون في طلب الهلاك . الهلاك السريع الذي يريح . . وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا! . . وإن هذا النداء ليلقي ظلاً كثيفاً للكرب والضيق . وإننا لنكاد نرى من وراء صرخة الاستغاثة نفوساً أطار صوابها العذاب ، وأجساماً تجاوز الألم بها حد الطاقة ، فانبعثت منها تلك الصيحة المريرة : { يا مالك . ليقض علينا ربك } !
ولكن الجواب يجيء في تيئيس وتخذيل ، وبلا رعاية ولا اهتمام :
{ قال : إنكم ماكثون } !
فلا خلاص ولا رجاء ولا موت ولا قضاء . . إنكم ماكثون!
وفي ظل هذا المشهد الكامد المكروب يخاطب هؤلاء الكارهين للحق ، المعرضين عن الهدى ، الصائرين إلى هذا المصير؛ ويعجب من أمرهم على رؤوس الأشهاد ، في أنسب جو للتحذير والتعجيب .
{ لقد جئناكم بالحق ، ولكن أكثركم للحق كارهون . أم أبرموا أمراً؟ فإنا مبرمون . أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بلى ورسلنا لديهم يكتبون } . .
وكراهة الحق هي التي كانت تحول بينهم وبين اتباعه ، لا عدم إدراك أنه الحق ، ولا الشك في صدق الرسول الكريم؛ فما عهدوا عيله كذباً قط على الناس ، فكيف يكذب على الله ويدعي عليه ما يدعيه؟
والذين يحاربون الحق لا يجهلون في الغالب أنه الحق ، ولكنهم يكرهونه ، لأنه يصادم أهواءهم ، ويقف في طريق شهواتهم ، وهم أضعف من أن يغالبوا أهواءهم وشهواتهم؛ ولكنهم أجرأ على الحق وعلى دعاته! فمن ضعفهم تجاه الأهواء والشهوات يستمدون القوة على الحق والاجتراء على الدعاة!
لهذا يهددهم صاحب القوة والجبروت ، العليم بما يسرون وما يمكرون :
{ أم أبرموا أمراً؟ فإنا مبرمون . أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بلى ورسلنا لديهم يكتبون } . .
فإصرارهم على الباطل في وجه الحق يقابله أمر اله الجازم وإرادته بتمكين هذا الحق وتثبيته . وتدبيرهم ومكرهم في الظلام يقابله علم الله بالسر والنجوى . والعاقبة معروفة حين يقف الخلق الضعاف القاصرون ، أمام الخالق العزيز العليم .
ويتركهم بعد هذا التهديد المرهوب ، ويوجه رسوله الكريم ، إلى قول يقوله لهم . ثم يدعهم من بعده لمصيرهم الذي شهدوا صورته منذ قليل :
{ قل : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين .

(6/367)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية