الكتاب : معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام مصدر الكتاب : موقع الإسلام http://www.al-islam.com [ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الَّذِي أَبْدَعَ الْمَوْجُودَاتِ بِقُدْرَتِهِ ، وَصَنَعَ أَنْوَاعَ الْمَخْلُوقَاتِ بِعَظَمَتِهِ ، وَمَيَّزَ كُلًّا مِنْ الْعَالَمِينَ بِطَبِيعَتِهِ ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَهَبَ مِنْ نُورِهِ الْقُدْسِيِّ ، وَأَجْزَلَ مِنْ إشْرَاقِ الضِّيَاءِ الْحِسِّيِّ ، وَأَوْدَعَ مِصْبَاحَ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي مِشْكَاةِ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ، وَكَمَّلَهَا بِالزُّجَاجَةِ الشَّرِيفَةِ الْبَالِغَةِ الَّتِي يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ، وَجَعَلَهَا نُورًا عَلَى نُورٍ كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ ، مُتَوَقِّدَةً مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ عُلْوِيَّةٍ ، لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ . (1/1)
وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى خَيْرِ بَرِيَّتِهِ وَأَتَمِّهِمْ كَمَالًا ، وَأَعْظَمِهِمْ إشْرَاقًا وَجَلَالًا ، مُحَمَّدٍ الْمُؤَيَّدِ بِالرُّوحِ الْأَمِينِ ، وَعَلَى مَنْ ارْتَضَى مِنْ أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ .
( أَمَّا بَعْدُ ) : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَهُ الْقَوِيمَ ، وَهَدَى بِهِ مَنْ شَاءَ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَأَسَّسَ شَرْعَهُ الْمُطَهِّرَ عَلَى أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ وَأَجْمَلِ الْقَوَاعِدِ ، وَشَيَّدَهُ بِالتَّقْوَى وَالْعَدْلِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ ، وَأَيَّدَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُوضِحَةِ لِلْحَقِّ وَأَسْبَابِهِ ، الْمُرْشِدَةِ إلَى إيصَالِ الْحَقِّ لِأَرْبَابِهِ ، وَحَمَاهُ بِالسِّيَاسَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى سُنَنِ الْحَقِّ وَصَوَابِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } فَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ : الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، تَمَّتْ دَلَائِلُهُ وَحُجَجُهُ وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ وَأَحْكَامُهُ وَبِشَارَتُهُ وَنِذَارَتُهُ وَأَمْثَالُهُ ، وَقَالَ تَعَالَى { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } الْآيَةَ .
وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ الْقَضَاءِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعَزِّهَا مَكَانًا وَأَشْرَفِهَا ذِكْرًا ، لِأَنَّهُ مَقَامٌ عَلِيٌّ وَمَنْصِبٌ نَبَوِيٌّ ، بِهِ الدِّمَاءُ تُعْصَمُ وَتُسْفَحُ ، وَالْأَبْضَاعُ تَحْرُمُ وَتُنْكَحُ ،