الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : روضة الطالبين وعمدة المفتين
    المؤلف : النووي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

في شهادة المبتدع جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة لكن اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم ويقولون ما يعلم الأشياء حتى يخلقها ونقل العراقيون عنه تكفير الناهين للرؤية والقائلين بخلق القرآن وتأوله الإمام فقال ظني أنه ناظر بعضهم فألزمه الكفر في الحجاج فقيل إنه كفرهم.
قلت أما تكفير منكري العلم بالمعدوم أو بالجزئيات فلا شك فيه وأما من نفى الرؤية أو قال بخلق القرآن فالمختار تأويله وسننقل إن شاء الله تعالى عن نصه في الأم ما يؤيده وهذا التأويل الذي ذكره الإمام حسن وقد تأوله الإمام الحافظ الفقيه الأصولي أبو بكر البيهقي رضي الله عنه وآخرون تأويلات متعارضة على أنه ليس المراد بالكفر الإخراج من الملة وتحتم الخلود في النار وهكذا تأولوا ما جاء عن جماعة من السلف من إطلاق هذا اللفظ واستدلوا بأنهم لم يلحقوهم بالكفار في الإرث والأنكحة ووجوب قتلهم وقتالهم وغير ذلك والله أعلم.
ثم من كفر من أهل البدع لا تقبل شهادته وأما من لا يكفره من أهل البدع والأهواء فقد نص الشافعي رحمه الله في الأم والمختصر على قبول شهادتهم إلا الخطابية وهم قوم يرون جواز شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول لي على فلان كذا فيصدقه بيمين أو غيرها ويشهد له اعتماداً على أنه لا يكذب هذا نصه وللأصحاب فيه ثلاث فرق فرقة جرت على ظاهر نصه وقبلت شهادة جميعهم وهذه طريقة الجمهور منهم ابن القاص وابن أبي هريرة والقضاة ابن كج وأبو الطيب والروياني واستدلوا بأنهم مصيبون في زعمهم ولم يظهر منهم ما يسقط الثقة بقولهم وقبل هؤلاء شهادة من سب الصحابة والسلف رضي الله عنهم لأنه تقدم عليه عن اعتقاد لا عن عداوة وعناد قالوا ولو شهد خطابي وذكر في شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول المدعي بأن قال سمعت فلاناً يقر بكذا لفلان أو رأيته أقرضه قبلت شهادته وفرقة منهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه حملوا النص على المخالفين في الفروع وردوا شهادة أهل الأهواء كلهم وقالوا هم بالرد أولى من الفسقة وفرقة ثالثة توسطوا فردوا شهادة بعضهم دون بعض فقال أبو إسحاق من أنكر إمامة أبي بكر رضي الله عنه ردت شهادته لمخالفته الإجماع ومن فضل علياً على أبي بكر رضي الله عنهما لم ترد شهادته ورد الشيخ أبو محمد شهادة الذين يسبون الصحابة ويقذفون عائشة رضي الله عنها فإنها محصنة كما نطق به القرآن وعلى هذا جرى الإمام والغزالي والبغوي وهو حسن وفي الرقم أن شهادة الخوارج مردودة لتكفيرهم أهل القبلة.
قلت الصواب ما قالته الفرقة الأولى وهو قبول شهادة الجميع فقد قال الشافعي رحمه الله في الأم ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث إلى أمور تباينوا فيها تبايناً شديداً واستحل بعضهم من بعض ما تطول حكايته وكان ذلك متقادماً منه ما كان في عهد السلف إلى اليوم فلم نعلم أحداً من سلف الأمة يقتدى به ولا من بعدهم من التابعين رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل ما حرم الله تعالى عليه فلا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله وإن بلغ فيه استحلال المال والدم هذا نصه بحروفه وفيه التصريح بما ذكرنا وبيان ما ذكرناه في تأويل تكفير القائل بخلق القرآن ولكن قاذف عائشة رضي الله عنها كافر فلا تقبل شهادته ولنا وجه أن الخطابي لا تقبل شهادته وإن بين ما يقطع لاحتمال اعتماده وقول صاحبه والله أعلم.
السبب الرابع الغفلة وكثرة الغلط ولا تقبل شهادة المغفل الذي لا يحفظ ولا يضبط فإن شهد مفسراً وبين وقت التحمل ومكانه فزالت الريبة عن شهادته قبلت ولا تقبل شهادة من كثر غلطه ونسيانه وأما الغلط اليسير فلا يقدح في الشهادة لأنه لا يسلم منه أحد قال الإمام ومعظم شهادات العوام يشوبها جهل وغرة فيحوج إلى الاستفصال كما سبق في آداب القضاء.

(4/170)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية