الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


قال ابن هشام : و أقبل أبو جهل يومئذ يرتجز [ و هو يقاتل ] و يقول :
( ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني )
( لمثل هذا ولدتني أمي )
قال ابن إسحاق و لما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس القتلى
و كان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس و عبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة : سمعت القوم و أبو جهل في مثل الحرجة و هم يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه
فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال : و ضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلده من جنبي و أجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي و إني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها
قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بأبي جهل و هو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته و تركه و به رمق و قاتل معوذ حتى قتل
فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلتمس في القتلى و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني : [ انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت أنا و هو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان و نحن غلامان و كنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في أحدهما جحشا لم يزل أثره به ]
قال ابن مسعود : فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه قال : و قد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني و لكزني ثم قلت له : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : و بماذا أخزاني [ قال ] أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال : قلت لله و لرسوله
قال ابن إسحاق : و زعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول : قال لي : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله هذا رأس عدو الله فقال : [ آلله الذي لا إله غيره ؟ ] و كانت يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : نعم و الله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين رسول الله صلى الله عليه و سلم فحمد الله
هكذا ذكر ابن إسحاق رحمه الله و قد ثبت في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون عن صالح ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال : إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني و شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منها فغمزني أحدهما فقال : يا عم أتعرف أبا جهل ؟ فقلت : نعم و ما حاجتك إليه ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم و الذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها
فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل و هو يجول في الناس فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبراه فقال : [ أيكما قتله ؟ ] قال كل منهما : أنا قتلته قال : [ هل مسحتما سيفيكما ؟ ] قالا : لا قال فنظر النبي صلى الله عليه و سلم في السيفين فقال : [ كلاهما قتله ] و قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح و الآخر معاذ بن عفراء و قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال عبد الرحمن : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني و عن يساري فتيان حدثنا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عم أرني أبا جهل فقلت : يا بن أخي ما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه و قال لي الأخر سرا من صاحبه مثله قال : فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه و هما ابنا عفراء
و في الصحيحين أيضا من [ حديث أبي سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ينظر ماذا صنع أبو جهل ؟ ] قال ابن مسعود : أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته قال فقلت : أنت أبو جهل ؟ فقال : و هل فوق رجل قتلتموه أو قال : قتله قومه !
و عند البخاري عن أبي أسامة عن أبي إسماعيل بن قيس عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال : هل أخزاك الله ؟ فقال : هل أعمد من رجل قتلتموه !
و قال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : انتهيت إلى أبي جهل و هو صريع و عليه بيضة و معه سيف جيد و معي سيف ردئ فجعلت أنقف رأسه بسيفي و أذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال : على من كانت الدائرة لنا أو علينا ؟ ألست رويعينا بمكة ؟ قال : فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : قتلت أبا جهل فقال آلله الذي لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي إليهم فدعا عليهم
و قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال : قال عبد الله : انهيت إلى أبي جهل يوم بدر و قد ضربت رجله و هو يذب الناس عنه بسيف له فقلت : الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله قال : هل هو إلا رجل قتله قومه !
فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فندر سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته
قال : ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه و سلم كأنما أقل من الأرض فأخبرته فقال : [ آلله الذي لا إله إلا هو ؟ ] فرددها ثلاثا قال : قلت : آلله الذي لا إله إلا هو
قال : فخرج معي حتى قام عليه فقال : [ الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا كان فرعون هذه الأمة ]
و في رواية أخرى قال ابن مسعود : فنفلني سيفه
و قال أبو إسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر فقلت : قد قتلت أبا جهل فقال : [ آلله الذي لا إله إلا هو ؟ ] فقلت : آلله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا
قال : فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ الله أكبر الحمد لله الذي صدق و عده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ] ثم قال : [ انطلق فأرنيه فانطلقت فأريته فقال : هذا فرعون هذه الأمة ]
و رواه أبو داود و النسائي من حديث أبي إسحاق السبيعي به
و قال الواقدي : وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم على مصرع ابني عفراء فقال : [ رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة و رأس أئمة الكفر ] فقيل : يا رسول الله و من قتله معهما ؟ قال : [ الملائكة و ابن مسعود قد شرك في قتله ]
رواه البيهقي
و قال البيهقي : أخبرنا الأصم حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن أبي إسحاق قال : لما جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا ؟ فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه و سلم ساجدا
ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم عن سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بني أسد عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح و حين جئ برأس أبي جهل
و قال ابن ماجه : حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين
و قال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبي حدثنا هشام أخبرنا مجالد عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة ]
و قال الأموي في مغازيه : سمعت أبي حدثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر و رجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ذاك أبو جهل و كل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ]
و قال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال : قال الزبير : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد العاص و هو مدجج لا يرى منه إلا عيناه و هو يكنى أبا ذات الكرش فقال : أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بغزة فطعنته في عينه فمات قال هشام : فأخبرت أن الزبير قال : لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها و قد انثني طرفاها قال عروة : فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه إياها فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياه فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل
و قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة و غيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص و مر به إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت أباك ؟ إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله و لكني قتلت خالي العاص بن هشام ابن المغيرة فأما أبوك فإني مررت به و هو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه و قصد له ابن عمه علي فقتله
قال ابن إسحاق : و قاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه جذلا من حطب فقال : [ قاتل بهذا يا عكاشة ]
فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه و سلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به
حتى فتح الله على المسلمين و كان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قتله طليحة الأسدي أيام الردة و أنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله :
( عيشة غادرت ابن أقرم ثلويا ... و عكاشة الغنمي عند مجال )
و قد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه
قال ابن إسحاق : و عكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه و سلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب : ادع الله أن يجعلني منهم قال : [ اللهم اجعله منهم ]
و هذا الحديث مخرج في الصحاح و الحسان و غيرهما
قال ابن إسحاق : و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ فيما بلغني ـ [ منا خير فارس في العرب ] قالوا : و من هو يا رسول الله ؟ قال [ عكاشة بن محصن ] فقال ضرار ابن الأزور : ذاك رجل منا يا رسول الله قال : ليس منكم و لكنه منا للحلف
و قد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني عمر بن عثمان الخشني عن أبيه عن عمته قالت : قال عكاشة بن محصن : انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه و سلم عودا فإذا هو سيف أبيض طويل فقاتلت به حتى هزم الله المشركين و لم يزل عنده حتى هلك و قال الواقدي : و حدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل عدة قالوا : انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال : اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة

(2/440)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية