الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


ثم أن قريشا مشوا إلى أبي طالب تارة أخرى فكلموه و قالوا : " ما نحن يا أبا طالب و إن كنت فينا ذا منزلة بسنك و شرفك و موضعك بتاركي ابن أخيك على هذا حتى نهلكه أو يكف عنا ما قد أظهر بيننا من شتم آلهتنا و سب آبائنا و عيب ديننا فإن شئت فاجمع لحربنا و إن شئت فدع فقد أعذرنا إليك و طلبنا التخلص من حربك و عداوتك فكل ما نظن أن ذلك مخلص فانظر في أمرك ثم اقض إلينا قضاءك "
قال : [ نا أحمد نا يونس عن ابن اسحاق قال : حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : يا ابن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا كذا و كذا ـ للذي قالوا له ـ و آذنوني قبل الحرب فأبق علي و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت و اكفف عن قومك ما يكرهون من قولك هذا الذي فرق بيننا و بينهم فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أنه قد بدا لعمه بداء و أنه خاذله و مسلمه و ضعف عن نصرته و القيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا عم لو وضعت الشمس في يميني و القمر في يساري ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه و سلم : أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال : امض على أمرك و افعل ما أحببت فوالله لا نسلمك بشيء أبدا ]
[ نا يونس عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن موسى بن طلحة قال : أخبرني عقيل بن أبي طالب قال : جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إن ابن أخيك هذا فقد آذانا في نادينا و مسجدنا فانهه عنا فقال : يا عقيل انطلق فأتني بمحمد صلى الله عليه و سلم فانطلقت إليه فاستخرجته من حنش ـ يقول من بيت صغير ـ فجاء به في الظهيرة في شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة الحر الرحض فلما أتاهم قال أبو طالب : إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم و مسجدهم فانته عن أذاهم فحلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ببصره إلى السماء فقال : أترون هذه الشمس ؟ قالوا : نعم قال : فما أنا أقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة فقال أبو طالب : و الله ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا ]
نا أحمد نا يونس عن ابن اسحاق قال : ثم قال أبو طالب في شعر قاله حين أجمع لذلك من نصرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و الدفاع عنه على ما كان من عداوة قومه و فراقهم له :
( و الله لن يصلوا إليه بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا )
( امض لأمرك ما عليك غضاضة ... و أبشر و قر بذاك منك عيونا )
( و دعوتني و علمت أنك ناصح ... فلقد صدقت و كنت قدما أمينا )
( و عرضت دينا قد عرفت أنه ... خير أديان البرية دينا )
( لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا لذاك مبينا )
فلما قالت قريش لقد سفه أحلامنا و عاب ديننا و سب آبائنا فوالله لا نقر بهذا أبدا و قام أبو طالب دون رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان أحب الناس إليه فشمر في شأنه و نادى قومه قال قصيدة يعور فيها منهم و بأذاهم في آخرها فقال :
( لما رأيت القوم لا ود بينهم ... و قد قطعوا كل العرى و الوسائل )
( و قد صارحونا بالعداوة و الأذى ... و قد طاوعوا أمر العدو المزايل )
( و قد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل )
( صبرت لهم نفسي بصفراء سمحة ... و أبيض عضب من سيوف المقاول )
( و أحضرت عند البيت رهطي و أسرتي ... و أمسكت من أثوابه بالوصائل )
( عكوفا معا مستقبلين و تارة ... لدي حيث يقضي حلفه كل نافل )
( و حيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفض السيول بين ساف و نائل )
نا أحمد نا يونس عن ابن اسحاق قال : فلما مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على الذي بعث به و قامت بنو هاشم و بنو المطلب دونه و أبوا أن يسلموه و هم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا و يسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعلت ذلك بنو هاشم و بنو المطلب و عرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد صلى الله عليه و سلم معهم اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم و بني المطلب ألا يناكحوهم و لا ينكحوا إليهم و لا يبايعونهم و لا يبتاعون منهم فكتبوا صحيفة في ذلك و كتب في الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار و علقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم و آذوهم و اشتد البلاء عليهم و عظمت الفتنة بهم و زلزلوا زلزالا شديدا فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريش و قال : نصرت اللات و العزى يا معشر قريش فأنزل الله عز و جل : { تبت يدا أبي لهب } إلى آخرها
نا أحمد نا يونس عن ابن اسحاق قال : و قالت صفية ابنة عبد المطلب :
( ألا من مبلغ عني قريشا ... ففيم الأمر فينا و الأمار )
( لنا الأمر المقدم ... قد علمتم و لم توقد لنا بالغدر نار )
( مجازيل العطا إذا وهبنا ... و أيسار إذا ابتغى اليسار )
( و كل مناقب الخيرات فينا ... و بعض الأمر منقصة و عار )
( فلاموا لعاديات غداة جمع ... بأيديها إذا سطع الغبار )
( لنصطبرن لأمر الله حتى ... يبين ربنا أين القرار )
و قال أبو طالب :
( ألا أبلغا عني على ذات نأيها ... لؤيا و خصا من لؤي بني كعب )
( ألم تعلم أنا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط في أول الكتب )
( و أن عليه في العباد محبة ... و لا خير فيمن خصه الله بالخب )
( و إن الذي أضفتم في كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السقب )
( أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى ... و يصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب )
( و لا تتبعوا أمر الغواة و تقطعوا ... أياصرنا بعد المودة و القرب )
( و تستجلبوا حربا عوانا و ربما ... أمر على من ذاقه حلب الحرب )
( و لسنا و رب البيت نسلم أحمدا ... على الحال من عض الزمان و لا كرب )
( أليس أبونا هاشم شد أزره ... و أوصى بنيه بالطعان و بالضرب )
( و لسنا نمل الحرب حتى تملنا ... و لا نشتكي ما ينوب من النكب )
( و لكننا أهل الحفاظ ذوو النهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرعب )
و قال أبو طالب :
( ألا أبلغا عني لؤيا رسالة ... بحق و ما تغني رسالة مرسل )
( بني عمنا الأدنين تيما نخصهم ... و إخواننا من عبد شمس و نوفل )
( أظاهرتم قوما علينا ولاية ... و أمر غوي من غواة و جهل )
( يقولون أنا قد قتلنا محمدا ... أقرت نواصي هاشم بالتذلل )
( كذبم و رب الهدي تدمى نحورها ... بمكة و الركن العتيق المقبل )
( تنالونه أو تبطلون لقتله ... صوارم تفري كل عظم و مفصل )
( و تدعوا بويل أنتم إن ظلمتم ... مقاليه في يوم أغر محجل )
( فمهلا و لما تنتح الحرب بكرها ... و يأتي تماما أواخر معجل )
( و إنا متى ما نمرها بسيوفنا ... تجلجل و تعرك من منسا تكلكل )
( و يعلوا ربيع الأبطحين محمد ... على ربوة من رأس عنقاء عيطل )
( و يأوي إليها هاشم إن هاشما ... عرانين كعب آخرا بعد أول )
( فإن كنتم ترجون قتل محمد ... فروموا بما جمعتم نفل يذبل )
( فأنا سنمنعه بكل طمرة ... و ذي ميعة نهد المواكل هيكل )
( و كل رديني طما كعوبه ... و غضب كأيماض الغمامة يفصل )
( بأيمان شم من ذؤابة هاشم ... مغاوير الأبطال في كل محفل )
نا أحمد نا يونس عن ابن اسحاق قال فلما سمعت قريش بذلك و رأوا منه الجد و أيسوا منه فأبدوا لبني عبد المطلب الجفا و انطلق بهم أبو طالب فقاموا بين أستار الكعبة فدعوا الله على ظلم قومهم لهم و في قطيعتهم أرحامهم و اجتماعهم على محاربتهم و تناولهم بسفك دمائهم فقال أبو طالب : " اللهم إن أبى قومنا إلا النصر علينا فعجل نصرنا و حل بينهم و بين قتل ابن أخي " ثم أقبل إلى جمع قريش و هم ينظرون إليه و إلى أصحابه فقال أبو طالب : " ندعو برب هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم و الله لتنتهين عن الذي تريدون أو لينزلن الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون " فأجابوه : " إنكم يا بني عبد المطلب لا صلح بيننا و بينكم و لا رحم إلا على قتل هذا الصبي السفيه " ثم عمد أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه و بني أبيه و من اتبعهم من بين مؤمن دخل لنصرة الله و نصرة رسوله صلى الله عليه و سلم و من بين مشرك يحمي فدخلوا شعبهم و هو شعب أبي طالب في ناحية من مكة فلما قدم عمرو : عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة إلى قريش و أخبروهم بالذي قال النجاشي لمحمد صلى الله عليه و سلم و أصحابه اشتد وجدهم و آذوا النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه أذى شديدا و ضربوهم في كل طريق و حصروهم في شعبهم و قطعوا عنهم المادة من الأسواق فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما و لا شيئا مما يرفق بهم و كانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم و كانت قريش تبادرهم إلى الأسواق فيشترونها و يغلونها عليهم و نادى منادي الوليد بن المغيرة في قريش : أيما رجل وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه
نا يونس عن عيسى بن عبد الله التميمي عن الربيع بن أنس قال : نزلت في الوليد بن المغيرة : { عتل بعد ذلك زنيم } قال : فاحش مع ذلك لئيم

(1/135)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية