الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    [ زاد المعاد - ابن القيم الجوزية ]
    الكتاب : زاد المعاد في هدي خير العباد
    المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
    الناشر : مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت
    الطبعة الرابعة عشر ، 1407 - 1986
    تحقيق : شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط
    عدد الأجزاء : 5

حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها وتحريم إيقاع الثلاث جملة
في الصحيحين : [ أن ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء يطلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ]
ولمسلم : [ مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ]
وفي لفظ : [ إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى ] وفي لفظ للبخاري : [ مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها ]
وفي لفظ لأحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال : طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يرها شيئا وقال : [ إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ]
وقال ابن عمر رضي الله عنه : قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن } في قبل عدتهن [ الطلاق : 1 ]
فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعة أوجه : وجهان حلال ووجهان حرام
فالحلالان : أن يطلق امرأته طاهرا من غير جماع أو يطلقها حاملا مستبينا حملها
والحرامان : أن يطلقها وهي حائض أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق المدخول بها
وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا كما قال تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [ البقرة : 236 ]
وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } [ الاحزاب : 49 ] وقد دل على هذا قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] وهذه لا عدة لها ونبه عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله : [ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ] ولو لا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول لمنع من طلاق من لا عدة له عليها
وفي سنن النسائي وغيره : من حديث محمود بن لبيد قال : أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال : [ أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ] حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ! أفلا أقتله
وفي الصحيحين : عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال : أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك
فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان : مدخول بها وغير مدخول بها وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثا مجموعة ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرا وحائضا
وأما المدخول بها فإن كانت حائضا أو نفساء حرم طلاقها وإن كانت طاهرا فإن كانت مستبينة الحمل جاز طلاقها بعد الوطء وقبله وإن كانت حائلا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الاصابة ويجوز قبله هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله من الطلاق وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه وأباحه إذا كان من مكلف مختار عالم بمدلول اللفظ قاصد له
واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك وفيه مسألتان
المسألة الأولى : الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه
المسألة الثانية : في جمع الثلاث ونحن نذكر المسألتين تحريرا وتقريرا كما ذكرناهما تصويرا ونذكر حجج الفريقين ومنتهى أقدام الطائفتين مع العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جائته كل آية وأن طالب الدليل لا يأتم بسواه ولا يحكم إلا إياه ولكل من الناس مورد لا يتعداه وسبيل لا يتخطاه ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قواه وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه
فأما المسألة الأولى فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره وقد قال الإمام أحمد : من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا
كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين ؟ قال محمد بن عبد السلام الخشني : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر : لا يعتد بذلك ذكره أبوه محمد بن حزم في المحلى بإسناده إليه
وقال عبد الرزاق في مصنفه : عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أنه قال : كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول : وجه الطلاق : أن يطلقها طاهرا من غير جماع وإذا استبان حملها
وقال الخشني : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض : قال : لا يعتد بها قال أبو محمد بن حزم : والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منا عن ابن عمر وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهما إحداهما : رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها بثلاثة قروء
قلت : وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب وقد رواه عن مجهول لا يعرف قال أبو محمد : والأخرى من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة عن رجل سماه عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض : يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة
قال أبو محمد : بل نحن أسعد بدعوى الإجماع ها هنا لو استجزنا ما يستجيزون ونعوذ بالله من ذلك وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم مخالفة لأمره فإذا كان لا شك في هذا عندهم فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنها بدعة وضلالة أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفا لإجماع القائلين بأنها بدعة ؟ قال أبو محمد : وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده ولا بلغه عن جميعهم كاذبا على جميعهم
قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم : لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن فإذا أوجدتمونا واحدا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به لا سبيل إلى رفعه بغير ذلك قالوا : وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى البتة ولا أذن فيه فليس في شرعه فكيف يقال بنفوذه وصحته ؟
قالوا : وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملكه الله تعالى للمطلق ولهذا لا يقع به الرابعة لأنه لم يملكها إياه ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق المحرم ولا أذن له فيه فلا يصح ولا يقع
قالوا : ولو وكل وكيلا أن يطلق امرأته طلاقا جائزا فطلق طلاقا محرما لم يقع لأنه غير مأذون له فيه فكيف كان إذن المخلوق معتبرا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف بالإذن فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلا للتصرف البتة
قالوا : وأيضا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطهر فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى وكان حجر القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره
قالوا : وبهذا أبطلنا البيع وقت الغداء يوم الجمعة لأنه بيع حجر الشارع على بائعه هذا الوقت فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه
قالوا : ولأنه طلاق محرم منهي عنه فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه فلو صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد
قالوا : وأيضا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه لأنه يبغضه ولا يحب وقوعه بل وقوعه مكروه إليه فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود
قالوا : وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي فما الفرق بينه وبين الطلاق وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق والنهي يقتضي البطلان في الموضعين ؟
قالوا : ويكفينا من هذا حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه كما في الصحيح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها : [ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ] وفي رواية : [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلى الله عليه و سلم مردود باطل فكيف يقال : إنه صحيح لازم نافذ ؟ فأين هذا من الحكم برده ؟
قالوا : وأيضا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدا وكان مردودا باطلا كطلاق الأجنبية ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلا للطلاق بخلاف الزوجة فإن هذه الزوجة ليست محلا للطلاق المحرم ولا هو مما ملكه الشارع إياه
قالوا : وأيضا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان ولا أشر من التسريح الذي حرمه الله ورسوله وموجب عقد النكاح أحد أمرين : إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة
قالوا : وقد قال الله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } وصح عن النبي صلى الله عليه و سلم المبين عن الله مراده من كلامه أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه أو بعد استبانة الحمل وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها فلا يكون طلاقا فكيف تحرم المرأة به ؟
قالوا : وقد قال تعالى : { الطلاق مرتان } [ البقرة : 269 ] ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه وهو الطلاق للعدة فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين فلا يكون ما عداه طلاقا قالوا : ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون : إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم كما روى ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من طلق كما أمره الله فقد بين الله له ومن خالف فإنا لا نطيق خلافه ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين
وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا : من أتى الأمر على وجهه فقد بين الله له وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون
وقال بعض الصحابة وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة : من طلق كما أمر فقد بين له ومن لبس تركناه وتلبيسه
قالوا : ويكفي من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع : كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟ فقال : [ طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله : فردها علي ولم يرها شيئا وقال : إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ] قال ابن عمر : وقرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن } في قبل عدتهن قالوا : وهذا إسناد في غاية الصحة فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة وإنما يخشى من تدليسه فإذا قال : سمعت أو حدثني زال محذور التدليس وزالت العلة المتوهمة وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال : عن ولم يصرح بالسماع ومسلم يصحح ذلك من حديثه فأما إذا صرح بالسماع فقد زال الإشكال وصح الحديث وقامت الحجة
قالوا : ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده وإنما رده من رده استبعادا واعتقادا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة ونحن نحكي كلام من رده ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد
قال أبو داود : والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير
وقال الشافعي : ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه
وقال الخطابي : حديث يونس بن جبير أثبت من هذا يعني قوله : مره فليراجعها وقوله : أرأيت إن عجز واستحق ؟ قال : فمه
قال ابن عبد البر : وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة أجلة فلم يقل ذلك أحد منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه
وقال بعض أهل الحديث : لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا
فهذا جملة ما رد به خبر أبي الزبير وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه
أما قول أبي داود : الأحاديث كلها على خلافه فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود وأنتم لا ترضون ذلك وتزعمون أن الحجة من جانبكم فدعوا التقليد وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير ؟ فهل فيها حديث واحد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم احتسب عليه تلك الطلقة وأمره أن يعتد بها فإن كان ذلك فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير ولا تجدون إلى ذلك سبيلا وغاية ما بأيديكم مره فليراجعها والرجعة تستلزم وقوع الطلاق وقول ابن عمر وقد سئل : أتعتد بتلك التطليقة ؟ فقال : أرأيت إن عجز واستحمق وقول نافع أو من دونه : فحسبت من طلاقها وليس وراء ذلك حرف واحد يدل على وقوعها والإعتداد بها ولا ريب في صحة هذه الألفاظ ولا مطعن فيها وإنما الشأن كل الشأن في معارضتها لقوله : [ فردها علي ولم يرها شيئا ] وتقديمها عليه ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها وعند الموازنة يظهر التفاوت وعدم المقاومة ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها
أما قوله : مره فليراجعها فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاث معان
أحدها : ابتداء النكاح كقوله تعالى : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } [ البقرة : 230 ] ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق ها هنا : هو الزوح الثاني وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول وذلك نكاح مبتدأ
وثانيهما : الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولا كقوله لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده : رده فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم جورا وأخبر أنها لا تصلح وأنها خلاف العدل كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى
ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع وليس هذا الرد مستلزما لصحة البيع فإنه بيع باطل بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الإجتماع كما كانا قبل الطلاق وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة
وأما قوله : أرأيت إن عجز واستحمق فيا سبحان الله أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا ولو كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حسبها عليه واعتد عليه بها لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى : أرأيت وكان ابن عمر أكره ما إليه أرأيت فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة أرأيت الدالة على نوع من الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به وأنه ساقط من فعل فاعله لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امثتال الأمر إلا أن يكون فعلا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم فقد عجز واستحمق وحينئذ فيقال : هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله فيكون مردودا باطلا فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته واعتباره
وأما قوله : فحسبت من طلاقها ففعل مبني لما لم يسم فاعله فإذا سمي فاعله ظهر وتبين هل في حسبانه حجة أو لا ؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول دليل البتة وسواء كان القائل : فحسبت ابن عمر أو نافعا أو من دونه وليس فيه بيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به وتحرم مخالفته فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير وأنه صريح في أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يرها شيئا وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها
قال الموقعون : لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبا وأبطلتم أكثر طلاق المطلقين فإن غالبه طلاق بدعي وجاهرتم بخلاف الأئمة ولم تتحاشوا خلاف الجمهور وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه والقرآن والسنن تدل على بطلانه قال تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وهذا يعم كل طلاق وكذلك قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] ولم يفرق وكذلك قوله تعالى : { الطلاق مرتان } وقوله : { وللمطلقات متاع } [ البقرة : 241 ] وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع
قالوا : وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه أحدها : الأمر بالمراجعة وهي لم شعث النكاح وإنما شعثه وقوع الطلاق
الثاني : قول ابن عمر فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها وكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله صلى الله عليه و سلم فيحسبها من طلاقها ورسول الله صلى الله عليه و سلم لم يرها شيئا
الثالث : قول ابن عمر لما قيل له : أيحتسب تلك التطليقة ؟ قال : أرأيت إن عجز واستحمق أي : عجزه وحمقه لا يكون عذرا له في عدم احتسابه بها
الرابع : أن ابن عمر قال : وما يمنعني أن أعتد بها وهذا إنكار منه لعدم الإعتداد بها وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير إذ كيف يقول ابن عمر : وما يمنعنى أن أعتد بها ؟ وهو يرى رسول الله قد ردها عليه ولم يرها شيئا
الخامس : أن مذهب ابن عمر الإعتداد بالطلاق في الحيض وهو صاحب القصة وأعلم الناس بها وأشدهم اتباعا للسنن وتحرجا من مخالفتها قالوا : وقد روى ابن وهب في جامعه حدثنا ابن أبي ذئب أن نافعا أخبرهم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال : [ مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ] وهي واحدة هذا لفظ حديثه
قالوا : وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبا إلى المدينة ونحن مع عطاء : هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : نعم
قالوا : وروى حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من طلق في بدعة ألزمناه بدعته ] رواه عبد الباقي بن قانع عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره
قالوا : وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في قواهما بالوقوع
قالوا : وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه عليه كالظهار فإنه منكر من القول وزور وهو محرم بلا شك وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر فهكذا الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما
قالوا : وهذا ابن عمر يقول للمطلق ثلاثا : حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه عز و جل
قالوا : وكذلك القذف محرم وترتب عليه أثره من الحد ورد الشهادة وغيرهما
قالوا : والفرق بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح عقد يتضمن حل الزوجة وملك بضعها فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا فإن الأبضاع في الأصل على التحريم ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع بخلاف الطلاق فإنه إسقاط لحقه وإزالة لملكه وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا فيه شرعا كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم وبالإقرار الكاذب وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام
قالوا : والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها يزول بالكلام المحرم إذا كان كفرا فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته
قالوا : ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل فإنه يقع مع تحريمه لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم [ ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوا : طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك ] فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه
قالوا : وفرق آخر بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح نعمة فلا تستباح بالمحرمات وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة فيجوز أن يكون سببها محرما
قالوا : وأيضا فإن الفروج يحتاط لها والإحتياط يقتضي وقوع الطلاق وتجديد الرجعة والعقد
قالوا : وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول والولي والشاهدين ورضى الزوجة المعتبر رضاها ويخرج منه بأيسر شئ فلا يحتاج الخروج منه إلى شئ من ذلك بل يدخل فيه بالعزيمة ويخرج منه بالشبهة فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه
قالوا : ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديما وحديثا : طلق امرأته وهي حائض والطلاق نوعان : طلاق سنة وطلاق بدعة وقول ابن عباس رضي الله عنه : الطلاق على أربعة أوجه : وجهان حلال ووجهان حرام فهذا الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة وشمول اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلال ولو كان لفظا مجردا لغوا لم يكن له حقيقة ولا قيل : طلق امرأته فإن هذا اللفظ إذا كان لغوا كان وجوده كعدمه ومثل هذا لا يقال فيه : طلق ولا يقسم الطلاق - وهو غير واقع - إليه وإلى الواقع فإن الالفاظ اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسما من الحقيقة الثابتة لفظا فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع
قال المانعون من الوقوع : الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق في المسألة
المقام الأول : بطلان ما زعمتم من الإجماع وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته البتة بل العلم بانتفائه معلوم
المقام الثاني أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته وقول الجمهور ليس بحجة
المقام الثالث : أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة
فنقول : أما المقام الأول فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع كيف ولو لم يعلم ذلك لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع الذي تقوم به الحجة وتنقطع معه المعذرة وتحرم معه المخالفة فإن الإجماع الذي يوجب ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم
وأما المقام الثاني : وهو أن الجمهور على هذا القول فأوجدونا في الأدلة الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته
ومن تأمل مذاهب العلماء قديما وحديثا من عهد الصحابة وإلى الآن واستقرأ أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور ووجد لكل منهم أقوالا عديدة انفرد بها عن الجمهور ولا يستثنى من ذلك أحد قط ولكن مستقل ومستكثر فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور ولو تتبعنا ذلك وعددناه لطال الكتاب به جدا ونحن نحيلكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها الإجتهاد ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة وأما ما كان هذا سبيله فإنهم كالمتفقين على إنكاره ورده وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين
وأما المقام الثالث : وهو دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم : ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح وقال : شمول الإسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية وحكم لها بالصحة لشمول الإسم لها هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة ؟ فإن قلتم : صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين وإن قلتم : دعواه باطلة تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه وإن قلتم تقبل في موضع وترد في موضع قيل لكم : ففرقوا بفرقان صحيح مطرد منعكس معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص فيثبث له حكم الصحة وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقابلتها بمثلها أو الإعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله : { وللمطلقات متاع } وتحت قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وأمثال ذلك وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم ؟
قالوا : وأما استدلالكم بحديث ابن عمر فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه
أحدها : صريح قوله : فردها علي ولم يرها شيئا وقد تقدم بيان صحته قالوا : فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين بل جميع تلك الألفاظ إما صحيحة غير صريحة وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه
الثاني : أنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد كالشمس من رواية عبيد الله عن نافع عنه في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال : لا يعتد بذلك وقد تقدم
الثالث : أنه لو كان صريحا في الإعتداد به لما عدل به إلى مجرد الرأي وقوله للسائل : أرأيت ؟
الرابع : أن الالفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابا شديدا وكلها صحيحة عنه وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في وقوع تلك الطلقة والإعتداد بها وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرها إلى مذهب ابن عمر وفتواه فوجدناه صريحا في عدم الوقوع ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحا في ذلك فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الإعتداد وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة كما تقدم بيانه
وأما قول ابن عمر رضي الله عنه : وما لي لا أعتد بها وقوله : أرأيت إن عجز واستحمق فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع ويكون عنه روايتان
وقولكم كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها ؟ فليس هذا بأول حديث خالفه راويه وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ومن بعده على رأيه
وقد روى ابن عباس حديث بريرة وأن بيع الأمة ليس بطلاقها وأفتى بخلافه فأخذ الناس بروايته وتركوا رأيه وهذا هو الصواب فإن الرواية معصومة عن معصوم والرأي بخلافها كيف وأصرح الروايتين عنه موافقته لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فقها دقيقا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم وفهمهم عن الله ورسوله واحتياطهم للأمة ولعلك تراه قريبا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه و سلم في إيقاع الطلاق الثلاث جملة
وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره : وهي واحدة فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قدمنا عليها شيئا ولصرنا إليها بأول وهلة ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده أم ابن أبي ذئب أم نافع فلا يجوز أنا يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لا يتيقن أنه من كلامه ويشهد به عليه وترتب عليه الأحكام ويقال : هذا من عند الله بالوهم والإحتمال والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر رضي الله عنه ومراده بها أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة ولم يكن ذلك منه ثلاثا أي طلق ابن عمر رضي الله عنه امرأته واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكره
وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع أن تطليقة عبد الله حسبت عليه فهذا غايته أن يكون من كلام نافع ولا يعرف من الذي حسبها أهو عبد الله نفسه أو أبوه عمر أو رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالوهم والحسبان وكيف يعارض صريح قوله : ولم يرها شيئا بهذا المجمل ؟ والله يشهد - وكفى بالله شهيدا - أنا لو تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي حسبها عليه ولم نتعد ذلك ولم نذهب إلى سواه
وأما حديث أنس : فمن طلق في بدعة ألزمناه بدعته فحديث باطل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه ولم يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيد وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن قانع وقد ضعفه البرقاني وغيره وكان قد اختلط في آخر عمره وقال الدارقطني : يخطئ كثيرا ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة
وأما إفتاء عثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله عنهما بالوقوع فلو صح ذلك ولا يصح أبدا فإن أثر عثمان فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله فإنه من رواية ابن سمعان عن رجل وأثر زيد : فيه مجهول عن مجهول : قيس بن سعد عن رجل سماه عن زيد فيالله العجب أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله حافظ الأمة عن نافع عن ابن عمر أنه قال : لا يعتد بها فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم به وجلتم
وأما قولكم : إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه كالظهار فيقال أولا : هذا قياس يدفعه ما ذكرناه من النص وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه ثم يقال ثانيا : هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال : تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح ويقال ثالثا : ليس للظهار جهتان : جهة حل وجهة حرمة بل كله حرام فإنه منكر من القول وزور فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والردة فإذا وجد لم يوجد إلا مع مفسدته فلا يتصور أن يقال : منه حلال صحيح وحرام باطل بخلاف النكاح والطلاق والبيع فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها مفاسدها فترتبت عليها أحكامها وإلحاق الطلاق بالنكاح والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام وصحيح وباطل أولى
وأما قولكم : إن النكاح عقد يملك به البضع والطلاق عقد يخرج به فنعم من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما والإلزام به وتنفيذه وإلغاء الآخر وإبطاله ؟
وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم فذلك ملك قد زال حسا ولم يبق له محل وأما زواله بالإقرار الكاذب فأبعد وأبعد فإنا صدقناه ظاهرا في إقراره وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا
وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر فقد تقدم جوابه وأنه ليس في الكفر حلال وحرام
وأما طلاق الهازل فإنما وقع لأنه صادف محلا وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ وكونه هزل به إرادة منه أن لا يترتب أثره عليه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فهو قد أتى بالسبب التام وأراد ألا يكون سببه فلم ينفعه ذلك بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيا إلى وقوع الطلاق وإنما أتى بسبب من عنده وجعله هو مفضيا إلى حكمه وذلك ليس إليه
وأما قولكم : إن النكاح نعمة فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق فإنه من باب إزالة النعم فيجوز أن يكون سببه معصية فيقال : قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه والقيد من رجله فليس كل طلاق نقمة بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها فلم ير للمتحابين مثل النكاح ولا للمتباغضين مثل الطلاق ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } [ البقرة : 236 ] ويقول : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ]
وأما قولكم : إن الفروج يحتاط لها فنعم وهكذا قلنا سواء فإنا احتطنا وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة وإن أصبنا فصوابنا في جهتين جهة الزوج الأول وجهة الثاني وأنتم ترتكبون أمرين : تحريم الفرج على من كان حلالا له بيقين وإحلاله لغيره فإن كان خطأ فهو خطأ من جهتين فتبين أنا أولى بالإحتياط منكم وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب : في طلاق السكران نظير هذا الإحتياط سواء فقال : الذي لا يأمر بالطلاق : إنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا
وأما قولكم : إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والإحتياط ويخرج منه بأدنى شئ قلنا : ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببا يخرج به منه وأذن فيه : وأما ما ينصبه المؤمن عنده ويجعله هو سببا للخروج منه فكلا فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك الوعرة المسلك التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان وإنما نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغر الذي بضاعته من العلم مزجاة أن هناك شيئا آخر وراء ما عنده وأنه إذا كان ممن قصر في العلم باعه فضعف خلف الدليل وتقاصر عن جني ثماره ذراعه فليعذر من شمر عن ساق عزمه وحام حول آثار رسول الله صلى الله عليه و سلم وتحكيمها والتحاكم إليها بكل همة وإن كان غير عاذر لمنازعه في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد فليعذر منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد ولينظر مع نفسه أيهما هو المعذور وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور والله المستعان وعليه التكلان وهو الموفق للصواب الفاتح لمن أم بابه طالبا لمرضاته من الخير كل باب

(5/198)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية