الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : أنساب الأشراف
    المؤلف : أنساب الأشراف
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وعرض له سليمان بن صرد وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح فقال: هذا ما لا يكون ولا يصلح. قالوا: فمتى أنت سائر ؟ قال: غداً إن شاء الله. فلما سار خرجوا معه، فلما جاوزوا دير هند نظر الحسين إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري، وهو ابن أم دينار:
فما عن قلىً فارقت دار معاشر ... هم المانعون باحتى وذماري
ولكنه ما حمّ لا بدّ واقعٌ ... نظار ترقّب ما يحمّ نظار
قالوا: ولما بايع الحسن معاوية ومضى، تلاقت الشيعة بإظهار الحسرة والندم على ترك القتال والإذعان بالبيعة، فخرجت إليه جماعة منهم فخطؤوه في الصلح وعرضوا له بنقض ذلك، فأباه وأجابهم بخلاف ما أرادوه عليه، ثم إنهم أتوا الحسين فعرضوا عليه ما قالوا للحسن وأخبروه بما رد عليهم فقال: قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها فانتظروا ما دام هذا الرجل حياً فإن يهلك نظرنا ونظرتم، فانصرفوا عنه فلم يكن شيء أحب إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية؛ وهم يأخذون أعطيتهم ويغزون مغازيهم.
قالوا: وشخص محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني إلى الحسن وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولاً فقال له سفيان كما قال له بالعراق: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: إجلس لله أبوك. والله لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلا الذي قضي.
ثم أتيا الحسين فقال: ليكن كل أمري منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حياً، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا ف " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " .
قالوا: وكان حجر بن عدي أول من ذم الحسن على الصلح، وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة وطلب القوم أمراً، وطلبنا أمراً، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين.
فقال له: يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت.
وأتى الحسين فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العز بالذل، وقبلتم القليل بترك الكثير، أطعني اليوم واعصني سائر الدهر، دع رأي الحسن واجمع شيعتك، ثم ادع قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال، وأخرج أنا في الخيل فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، فإنهم الآن غارون .. فقال: إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيل.
قالوا: فلما توفى الحسن بن علي اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وأم جعدة أم هانئ بن أبي طالب في دار سليمان بن صرد، فكتبوا إلى الحسين كتاباً بالتعزية وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.
وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبهم لقدومه وتطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأن إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم بما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه.
فكتب إليهم: إني لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً، فالصقوا بالأرض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى واحترسوا من الأظناء ما دام ابن هند حياً، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله.
وكان رجال من أهل العراق ولثمان أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلونه ويعظمونه ويذكرون فضله ويدعونه إلى أنفسهم ويقولون: إنا لك عضد ويد ليتخذوا الوسيلة إليه وهم لا يشكون في أن معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحداً.
فلما كثر اختلاف الناس إليه، أتى عمرو بن عثمان بن عفان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسين، ووالله إني لأرى أن لكم منه يوماً عصيباً.
فكتب مروان ذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: بأن اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر عداته ويبدي صفحته، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء الله والسلام.

(1/409)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية