الكتاب : الاشتقاق المؤلف : ابن دريد مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بسم الله الرحمن الرحيم (1/1)
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم
الحمد لمن فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتن به من ذلك على خلقه وكفاء لتأدية حقه، وأشهد له بالإخلاص أنه لا إله غيره، وأن محمد عبده ورسوله.
كانت الأميون من العرب الذين نسخ الله عز وجل بدينه الذي اختصم به النحل، وختم بملكهم الدنيا إلى انقضاء الأجل، وهداهم لأفضل الملل، في جاهليتهم الجهلاء، وضلالتهم العمياء، لهم مذاهب في أسماء أبنائهم وعبيدهم وأتلادهم، فاستشنع قوم إما جهلاً وإما تجاهلاً، وتسميتهم كلباً وكُليباً وأكُلبَ، وخنزيراً وقرداً، وما أشبه ذلك مما لم يستقص ذكره، فطعنوا من حيث لا يجب الطعن، وعابو ا من حيث لا يُسْتَبَط عيب. فشرحنا في كتابنا هذا أسماء القبائل والعمائر، وأفخاذها وبطونها، وتجاوزنا ذلك إلى أسماء ساداتها وثُنْيانِها وشعرائها وفرسانها، وجراري الجيوش من رؤسائهم، ومن ارتضت بحكمه فيما شجر بينها، وانقادت لأمره في تدبير حروبها، ومكايدة أعدائها. ولم نتعد ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النَّامى من نبات الأرض: نَجمها وشجرها وأعشابها، ولا إلى الجماد من صخرها ومَدَرها، وحَزْنها وسهلها، لأنّا عن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاقِ الأًول التي نشتقُّ منها. وهذا مالا نهاية له.
وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب، أن قوماً ممن يطعن على اللسان العربي وينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم، وإلى ادعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوليتهم، وعدوا أسماء جهلوا اشتقاقها ولم ينقذ علمهم في الفحص عنها، فعارضوا بالإنكار واحتجوا بما ذكره الخليل بزعمهم: أنه سألَ أبا الدُّقيش: ما الدُّقيش؟ فقال: لا أدري إنما هي أسماء نسمعها ولا نعرفُ معانيهَا وهذا غلط على الخليل، وادعاء على أبي الدقيش، وكيف يَغبَى على أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد نصر الله وجهه مثل هذا وقد سمع العرب سمَّت: دَقْشاً ودُقَيشا ودَنقْشَا، فجاءوا به مكبَّراَ ومحقراً، ومعدولاً من بنات الثلاثة إلى بنات الأربعة بالنون الزائدة. والدَّقش معروف وسنذكره في جملة الأسماء التي عَمُوا عن معرفتها، ونُفرد لها باباً في آخر كتابنا هذا، وبالله العصمة من الزَّيغ، والتوفيق للصواب.
وأخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: قيل للعتبي: ما بال العرب سمت أبناءها بالأسماء المستشنعة، وسمت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فقال: لأنها سمت أبناءها لأعدائها، وسمت عبيدها لأنفسها.
وقد أجاب العُتبي بجملة كافية، ولكنها محتاجة إلى شرح يوضحها الاشتقاقُ، وسنتي على ذلك إن شاء الله.
فابتدأنا هذا الكتاب باشتقاق اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ كان المقدم في الملأ الأعلى؛ ثم باشتقاق أسماء آبائه إلى معد بن عدنان حيث انتهى صلى الله عليه وسلم بنسبة ثم قال: " كذب النسَّابون " ، يقول الله عز وجل: " وقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً " فانتهى النسب إلى عدنان وقَحطان، وما بعد ذلك فأسماءٌ أخذت من أهل الكتاب.
واختلف النسابون في النسب بين عدنان وإسماعيل بنِ إبراهيم عليهم السلام، فأما نسب إبراهيمَ إلى آدمَ عليهما السلام فصحيحٌ لا اختلافَ فيه، لأنه منزلٌ في التوراة مذكورٌ فيها نسبُهم ومبلغُ أعمارهم.
واعلمْ أن للعرب مذاهب في تسمية أبنائها، فمنها ما سمَّوه تفاؤلاً على أعدائهم نحو غالب، وغَلاّب، وظالم، وعارم، ومُنازِل، ومقاتل، ومُعارِك، وثابت، ونحو ذلك. وسمَّوْا في مثل هذا الباب: مُسهِراً، ومُؤرِّقا، ومصبِّحا، ومنبِّها، وطارقاً.
ومنها ما تفاءلوا به للأبناء نحو: نائل، ووائل، وناجٍ، ومُدرِك، ودَرَّاك، وسالم، وسُلَيم، ومالك، وعامر، وسعد، وسَعِيد، ومَسْعَدة، وأسعَد، وما أشبه ذلك.
ومنها ما سمِّي بالسِّباع ترهيباً لأعدائهم: نحو: أسد، وليث، وفَرَّاس، وذِئب، وسِيد، وعَمَلَّس، وضِرغام، وما أشبه ذلك.
ومنها ما سمِّي بما غلُظ وخشُن من الشّجَر تفاؤلاً أيضاً نحو: طلحة، وسَمُرة، وسَلَمة، وقَتَادة، وهَراسة، كلُّ ذلك شجرٌ له شوكٌ، وعِضاهٌ.
ومنها ما سمي بما غُلظ من الأرض وخشُن لمسُه وموطِئُه، مثل حَجَر وحُجَير، وصَخْر وفِهر، وجَندل وجَروَل، وحَزْن وحَزْم.