الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الجنى الداني في حروف المعاني
    المؤلف : ابن أُمّ قَاسِم المرادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

السبيبة، وقال في شرحه: باء السببية هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازاً. نحو " فأخرج به من الثمرات " ، فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لحسن، ولكنه مجاز. قال: ومنه: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين. فإنه يقال: كتب القلم، وقطعت السكين. والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالاستعانة. وآثرت على ذلك التعبير بالسببية، من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله، تعالى. فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة لا يجوز.
الرابع: التعليل: قال ابن مالك: هي التي تصلح غالباً في موضعها اللام. كقوله تعالى " إنكم ظلمتم أنفسكم، باتخاذكم العجل " ، " فبظلم، من الذين هادوا، حرمنا " ، " فكلا أخذنا بذنبه " . واحتزر بقوله غالباً من قول العرب: غضبت لفلان، إذا غضبت من أجله وهو حي. وغضبت به، إذا غضبت من أجله وهو ميت.
ولم يذكر الأكثرون باء التعليل، استغناء بباء السببية، لأن التعليل والسبب عندهم واحد. ولذلك مثلوا باء السببية بهذه المثل التي مثل بها ابن مالك للتعليل.
الخامس: المصاحبة: ولها علامتان: إحداهما أن يحسن في موضعها مع. والأخرى أن يغني عنها وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى " قد جاءكم الرسول بالحق " أي: مع الحق، أو محقاً. و " يا نوح اهبط بسلام " أي: مع سلام، أو مسلماً عليك. ولصلاحية وقوع الحال موقعها، سماها كثير من النحويين باء الحال.
السادس: الظرفية: وعلامتها أن يحسن في موضعها في. نحو " ولقد نصركم الله ببدر " ، " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل " . وهي كثيرة في الكلام.
السابع: البدل: وعلامتها أن يحسن في موضعها بدل. كقول الحماسي:
فليت لي، بهم قوماً، إذا ركبوا ... شنوا الإغارة، فرساناً، وركبانإ
وفي الحديث ما يسرني بها حمر النعم أي: بدلها.
الثامن: المقابلة: قال ابن مالك: هي الباء الداخلة على الأثمان والأعواض. نحو: اشتريت الفرس بألف، وكافأت الإحسان بضعف. وقد تسمى باء العوض.
ولم يذكر أكثرهم هذين المعنيين، أعني: البدل والمقابلة. وقال بعض النحويين: زاد بعض المتأخرين في معاني الباء أنها تجيء للبدل والعوض، نحو: هذا بذاك، أي: هذا بدل من ذلك وعوض منه. قال: والصحيح أن معناها السبب؛ ألا ترى أن التقدير: هذا مستحق بذاك، أي بسببه.
التاسع: المجاوزة: وعبر بعضهم عن هذا بموافقة عن. وذلك كثير بعد السؤال. نحو " فاسأل به خبيراً " ، و " سأل سائل بعذاب واقع " . وقال علقمة:
فإن تسألوني، بالنساء، فإنني ... خبير، بأدواء النساء، طبيب
وقليل بعد غيره، نحو " ويوم تشقق السماء بالغمام " أي: وعن أيمانهم. كذا قال الأخفش. قلت: أما كونها بمعنى عن بعد السؤال فهو منقول عن الكوفيين، وتأوله الشلوبين على أن الباء في ذلك سببية، أي: فاسأل بسببه. وقال بعضهم: هو من باب التضمين، أي: فاعتن به، أو فاهتم به.
العاشر: الاستعلاء: وعبر بعضهم عنه بموافقة على. وذكروا لذلك أمثلة منها قوله تعالى " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار " أي: على قنطار، كما قال " هل آمنكم عليه " . ومنها " وإذا مروا بهم " أي: عليهم، كما قال " وإنكم لتمرون عليهم " . ومنه قول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت، عليه، الثعالب
الحادي عشر: التبعيض: وعبر بعضهم عن هذا بموافقة من، يعني التبعيضية، وفي هذا المعنى خلاف، وممن ذكره الأصمعي، والفارسي في التذكرة. ونقل عن الكوفيين، وقال به القتبي وابن مالك. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى " يشرب بها عباد الله " أي: منها. وقول الشاعر:
شربن بماء البحر، ثم ترفعت ... متى لجج، خضر، لهن نئيج
وبقول الآخر:
فلثمت فاها، آخذاً بقرونها ... شرب النزيف، ببرد ماء الحشرج
وجعل قوم من ذلك الباء في قوله تعالى " وامسحوا برؤوسكم. وجعلها قوم زائدة. وجعلها قوم للإلصاق على الأصل. وقال بعضهم: إنها باء الاستعانة، فإن مسح يتعدى إلى مفعول بنفسه، وهو المزال عنه، وإلى آخر بحرف الجر، وهو المزيل. فيكون تقدير الآية: فامسحوا أيديكم برؤوسكم.

(1/5)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية