الكتاب : درة الغواص في أوهام الخواص المؤلف : الحريري مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بسم الله الرحمن الرحيم (1/1)
مقدمة
قال الشيخ الأجل الأوحد الرئيس أبو محمد القاسم بن علي الحريري رحمه الله تعالى " أما بعد " حمد الله الذي عم عباده بوظائف العوارف وخص من شاء منهم بلطائف المعارف والصلاة على نبيه محمد العاقب وعلى آله وأصحابه أولي المناقب فإني رأيت كثيرا ممن تسنموا أسنمة الرتب وتوسموا بسمة الأدب قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم و ترعف به مراعف أقلامهم مما إذا عثر عليه وأثر عن المعزو إليه خفض قدر العلية ووصم ذا الحيلة فدعاني الأنف لنباهة أخطارهم والكلف بإطابة أخبارهم إلى أن أدرأ عنهم الشبه وأبين ما التبس عليهم واشتبه لألتحق بمن زكى أكل غرسه وأحب لأخيه ما يحب لنفسه فألفت هذا الكتاب تبصرةً لمن تبصر وتذكرة لمن أراد أن يتذكر و سميته درة الغواص في أوهام الخواص وها أنا قد أودعته من النخب كل لباب ومن النكت ما لا يوجد منتظماً في كتاب هذا مالمعته به من النوادر الائقة بمواضعها و الحكايات الواقعة في مواقعها فإن حلى بعين الناظر فيه و الدارس وأحله محل القادح لدى القابس وإلا فعلى الله تعالى أجر المجتهد وهو حسبي وعليه أعتمد
أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة
يقولون قدم سائر الحاج
واستوفى سائر الخراج فيستعملون سائراً بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي ومنه قيل لما يبقى في الإناء سؤر والدليل على صحة ذلك أن النبي عليه السلام قال لغيلان حين أسلم وعنده عشر نسوةٍ اختر أربعاً منهن وفارق سائرهن أي من بقي بعد الأربع الائي تختارهن ولما وقع سائر في هذا الموطن بمعنى الباقي الأكثر منع بعضهم من استعماله بمعنى الباقي الأقل والصحيح أنه يستعمل في كل باقٍ قل أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا في الإناء بقية ماء لا أن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر وإنما ندب للتأدب بذلك لان الاكثار من المطعم والمشرب منبأةٌ عن النهم وملامةٌ عند العرب ومنه ما جاء في حديث أم زرع عن التي ذمت زوجها فقالت إن أكل لف وإن شرب اشتف أي تناهى في الشرب إلى أن يستأصل الشفافة وهي ما يبقى من الشراب في الإناء ومما يدل على أن سائراً بمعنى باقٍ ما أنشده سيبويه
ترى النور فيها مدخل الظل رأسه ... و سائره بادٍ إلى الشمس أجمع
ويشهد بذلك أيضاً قول الشنفرى
ولا تقبروني إن قبري محرمٌ ... عليكم ولكن أبشري أم عامرٍ
إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
فعنى كل شاعرٍبلفظ سائر ما بقي من جثمانه بعد إبانة الرأس وقد اشتملت هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه لئلا يحتضن هذا الكتاب ما يلتبس شئ منه أما قول الشاعر الأول ترى النور فيها مدخل الظل رأسه فله أراد به مدخل رأسه الظل فقلب الكلام كما يقال أدخلت الخاتم في إصبعي وحقيقته إدخال الإصبع في الخاتم وقلب الكلام من سنن العرب المأثورة وتصاريف لغاتها المشهورة ومنه في القرآن ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة لأن تقديره ما أن العصبة لتنوء بمفاتحه أي تنهض بها على تثاقل وأما قول الشنفرى ولكن أبشري أم عامر فقد اختلف في تفسيره فقيل أنه التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع فبشرها بالتحكم فيه إذا قتل ولم يقبر و أم عامر كنية الضبع والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة وأسلوب من أساليب الفصاحة وقد نطق القرآن به في قوله تعالى " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " فحول الخطاب عن يوسف عليه السلام إلى امرأة العزيز و قيل بل الخطاب كله لقومه فكأنه قال لا تقبروني إذا قتلت ولكن اتركوني للتي يقال لها ابشري أم عامر فجعل هذه الجملة لقباً لها وأوردها على وجه الحكاية كما قيل لثابت ابن جابرٍالفهمي تأبط شراً يأخذ سيفه تحت إبطه وإنما لقبت الضبع بذلك لأن من عادة من يروم اصطيادها من وجارها أن يقول لها حين