الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    [ نيل الأوطار - الشوكاني ]
    الكتاب : نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار
    المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني
    الناشر : إدارة الطباعة المنيرية
    عدد الأجزاء : 9
    مع الكتاب : تعليقات يسيرة لمحمد منير الدمشقي
    (الصفحات من بعد المجلد الرابع مرقمة آليا)

- ححديث جابر هو في بعض الروايات كما ساقه المصنف مختصرا وفي بعضها أنه قال له بعد قوله حتى تنظر إلى ما يصير إليه أمره قد أردت أن تسلفني سلفا قال فما ترهنني ترهنني نساؤكم قال أنت أجمل العرب أترهنك نساءنا قال فترهنون أبناءكم قال يسب ابن أحدنا فيقال رهن في وسق أو ويقين من تمر ولكن ترهنك اللامة يعني السلاح قال نعم وواعده أن يأتيه بالحرث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر قال فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم فقالت له امرأته أني لا أسمع صوتا كأنه صوت الدم فقال إنما هو محمد إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال فنزل وهو متوشح فقالوا نجد منك ريح الطيب فقال نعم فتحتي فلانة أعطر نساء العرب فقال محمد أفتأذن لي أن أشم منك قال نعم فشم ثم قال أتأذن لي أن أعود قال نعم فاستمكن منه ثم قال دونكم فقتلوه . أخرجه الشيخان وأبو داود . وحديث أم كلثوم هو أيضا في صحيح البخاري في كتاب الصلح منه ولكنه مختصر
وقد ورد في معنى حديث أم كلثوم أحاديث أخر منها حدبث أسماء بنت يزيد عند الترمذي قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يا أيها الناس ما يحملكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراض في النار الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال رجل كذب على امرأة ليرضيها ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما والتتابع التهافت في الأمر " والفراش الطائر الذي يتواقع في ضوء السراج فيحترق
وأخرج مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم الزرقي أن رجلا قال يا رسول الله أكذب امرأتي فقال صلى الله عليه وآله وسلم لا خير في الكذب قال فاعدها وأقول لها فقال صلى الله عليه وآله وسلم لا جناح عليك
وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط استئذانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم واخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين
وأخرج الطبراني في الأوسط " الكذب كله أثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين " وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ثنتين في كتاب الله تعالى قوله أني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة " الحديث
قوله : " فأذن لي فأقول " أي أقول مالا يحل في جانبك
قوله : " عنانا " بفتح العين المهملة وتشديد النون الأولى أي كلفنا بالأوامر والنواهي
قوله : " سألنا الصدقة " أي طلبها منا ليضعها : وقوله " فنكره أن ندعه " إلى آخر معناه نكره فراقه ( والحديث ) المذكور قد استدل به على جواز الكذب في الحرب وكذلك بوب عليه البخاري باب الكذب في الحرب
قال ابن المنير الترجمة غير مطابقة لأن الذي وقع بينهم في قتل كعب ابن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا ثم ذكر أن الذي وقع في حديث الباب ليس فيه شيء من الكذب وأن معنى ما في الحديث هو ما ذكرناه في تفسير ألفاظه وهو صدق قال الحافظ والذي يظهر أنه لم يقع منهم يما قالوه شيء من الكذب أصلا وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق لكن ترجم يعني البخاري لقول محمد بن مسلمة أولا ائذن لي أن أقول قال قل فإنه يدخل فيه الأذن في الكذب تصريحا وتلويحا
قوله : " إلا في الحرب " الخ قال الطبري ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا إن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا إن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة وليس فيه مصلحة وقال آخرون لا يجوز الكذب في شيء مطلقا وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم دعوت لك أمس وهو يريد قوله اللهم أغفر للمسلمين وبعد امرأته بعطية شيء ويريد أن قدر الله ذلك وأن يظهر من نفسه قوة قلب وبالأول جزم الخطابي وبالثاني خزم المهلب والأصلي وغيرهما
قال النووي الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى
وقال ابن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما ما انقلب حلالا انتهى . ويقوي ذلك حديث الحجاج بن علاط المذكور ولا يعارض ما ورد في جواز الكذب في الأمور المذكورة ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح وقول الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كف عن بيعته هلا أو مأت إلينا بعينك قال ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة إلا عين لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة
وأما حالة المبايعة فليست بحالة حرب كذا قيل وتعقب بأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حال حرب
قال الحافظ والجواب المستقيم أن يقال المنع مطلقا من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزور ورى بغيرها فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره كان يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أن يريد جهة المغرب وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلا
قال ابن بطال سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال الكذب المباح في الحرب ما يكون في المعارض لا التصريح بالتأمين مثلا وقال المهلب لا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلا قال ومحال أن يأمر بالكذب من يقول من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ويرده ما تقدم
قال الحافظت واتفقوا على إن المراد بالكذب في حق المراة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ماليس له أو لها وكذا في الحرب في غير التأمين واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل هو مخنف عنده فله ان ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم انتهى وقال القاضي زكريا وضابط ما يباح من الكذب وما لا بياح أن الكلام وسيلة إلى المقصود فكل مقصود محمود أن أمكن التوصل إليه بالصدق فالكذب فيه حرام وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا وواجب أن كان المقصود واجبا انتهى . والحق أن الكذب حرام كله بنصوص القرآن والسنة من غير فرق بين ما كان منه في مقصد محمود أو غير محمود ولا يستثنى منه إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في أحاديث الباب نعم إن صح ما قدمنا عن الطبراني في الأوسط كان من جملة المخصصات لعموم الأدلة القاضية بالتحريم على العموم

(8/63)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية