الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    [ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
    الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
    المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
    (الصفحات مرقمة آليا)

الفرض : معناه في اللغة القطع . والحز تقول فرضت الحبل إذا قطعته وفرضت الخشبة إذا حززتها ولم تكمل قطعها وأما معناه في الشرع فهو ما أثيب فاعله وعوقب تاركه ثم إن الفقهاء قد اصطلحوا على الفرض مساو للركن فركن الشيء وفرضه شيء واحد وفرقوا بينهما وبين الشرط بأن الفرض أو الركن ما كان من حقيقة الشيء والشرط ما توقف عليه وجود الشيء ولم يكن من حقيقته مثلا الصلاة من فرائضها التكبيرة والركوع والسجود الخ ومن شروط صحتها دخول الوقت فإذا صلى قبل الوقت فإنه يكون قد أتى بحقيقة الصلاة ولكنها تكون باطلة في نظر الشريعة لأن شرط لها دخول الوقت كما ستعرفه في " مباحث الصلاة "
وبعد : فإن فرائض الوضوء قد اختلف في عدها أئمة المذاهب الأربعة ولكن الثابت بكتاب الله تعالى أربعة : أحدها : غسل الوجه ثانيها : غسل اليدين إلى المرفقين : ثالثها : مسح الرأس كلا أو بعضا رابعها : غسل الرجلين إلى الكعبين قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وهذا القدر متفق عليه بين الأئمة الأربعة ولم يختلفوا إلا في كيفية مسح الرأس فمنهم من قال تمسح كلها ومنهم من قال يمسح بعضها كما ستعرفه وقد زاد بعض الأئمة فرائض على هذه الأربعة دون بعض فلنذكر لك فرائض الوضوء مجتمعة في كل مذهب على حدة كي لا تتفرق المسائل فيتعذر تحصيلها ثم ننبه على القدر المتفق عليه كما هو موضح تحت الجدول الذي أمامك ( الحنفية قالوا : إن فرائض الوضوء مقصورة على هذه الأربعة بحيث لو فعلها المكلف بدون زيادة عليها فإنه يكون متوضئا تصح منه الصلاة وغيرها مما يتوقف على الوضوء كمس مصحف وستعلم حكم تارك السنة في " مبحث سنن الوضوء "
وإليك بيان فرائض الوضوء الأربعة عن الحنفية الأول : غسل الوجه ويتعلق به أمور : أحدها : بيان حده طولا وعرضا ثانيها : بيان ما يجب غسله مما ينبت عليه من شعر الذقن والشارب والحاجبين ثالثها : بيان ما يجب غسله من العينين ظاهرا وباطنا وما لا يجب رابعها بيان ما يجب غسله من طاقة الأنف فأما حد الوجه طولا لمن لا لحية له فهو يبتدئ من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن ومنابت الشعر المعتاد من فوق الجبهة ويسميها العامة - القورة - فالرجل العادي يبتدئ وجهه من أول الشعر النابت في نهاية جبهته وأما غير العادي فلا يخلو حاله إما أن يكون أصلع أو يكون أفرع - بالفاء لا بالقاف - فالأصلع هو الذي ذهب شعر رأسه من أمام حتى كانه خلق بدون شعر وحكم هذا أنه لا يجب عليه أن يغسل كل ما ليس عليه شعر من الصلع وإنما يغسل القدر الذي ينبت عنده شعر الرأس غالبا وهو ما فوق الجبهة بيسير وأما الأفرع وهو الذي طال شعره حتى نزل على جبهته وربما وصل عند بعض الناس إلى قرب حاجبيه ويعبر عنه بعضهم - بالأغم - فإن حكمه في ذلك كالأصلع بمعنى أنه يجب عليه غسل ما فوق الجبهة بيسير لأن غالب الناس ينبت شعر رأسهم في هذا المكان والمعول عليه في مثل هذا اتباع الغالب فمن شذ عن غالب الناس في الخلقة فإنه لا يكلف بغير تكليفهم أما حد الوجه عرضا فإنه يبتدئ من أصل الأذن إلى أصل الأذن الأخرى ويعبر عنه بعضهم بوتد الأذن فالبياض الموجود بين الذقن وبين الأذن داخل في الوجه طبعا فيجب غسله عندهم فهذا حد الوجه عند الحنفية طولا وعرضا
أما الشعر الثابت في الوجه فأهمه شعر اللحية وشعر الشارب فأما حكم شعر اللحية فإنه يجب أن يغسل منها ما كان على جلد الوجه من أعلاه إلى نهاية جلد الذقن وتسمى - البشرة - وما طال عن ذلك فإنه لا يجب غسله فالناس الذين يطيلون لحاهم لا يجب عليهم إلا غسل الشعر الذي على جلد الوجه والشعر الذي على ظاهر جلد الذقن أما ما عدا ذلك فإنه لا يجب غسله ثم إن كان الشعر خفيفا يمكن أن ينفذ الماء منه إلى ظاهر جلد الوجه فبعضهم قال : إن كان كثيفا غزيرا - لا يصل الماء إلى ما تحته من الجلد فإن الوضوء يبطل وبعضهم قال : لا يبطل الوضوء بذلك بل يكتفي بغسل ظاهره كاللحية وهذا هو الذي عليه الفتوى في الوضوء أما في الغسل فإنه لا يغتفر ذلك بل يبطل الغسل إذا كان الشارب كثيفا ولعل علة ذلك أن الشارع قد نهى عن إطالته لما يحمل من أقذار الطعام ونحوها فشدد في غسله كي لا يطيله الناس بدون اية فائدة
هذا وبقي من شعر الذي ينبت على الحاجبين وحكمه أنه إن كان خفيفا يمكن أن ينفذ منه الماء إلى ظاهر الجلد فإنه يجب تحريكه كي ينفذ الماء إلى ما تحته وإن كان غزيرا فإنه لا يجب تخليله
وأما الأنف فإنه يجب عليه غسل ظاهرها كلها لأنها من الوجه . فإذا ترك جزءا منها ولو صغيرا فسد وضوءه ومن الأنف القطعة الحاجزة بين طاقتيها من أسفلها أما غسل باطن الأنف فإنه ليس بفرض عند الحنفية نعم إذا كان بالوجه جرح أحدث أثرا غائرا فإنه يجب إيصال الماء إليه كما يجب إيصال الماء إلى ما بين تكاميش الوجه ويعبر عنها العامة - بالكراميش - فيقولون : إن وجه فلان كرمش
هذا وإذا توضأ ثم حلق شعر لحيته أو شعر رأسه فإن وضوءه لا يبطل ذلك
الثاني : من فرائض الوضوء غسل اليدين مع المرفقين والمرفق عظم المفصل البارز في نهاية الذراع ويتعلق بهذا الفرض مباحث : أحدها : إذا كان للإنسان إصبع زائدة فإنه يجب غسله أما إذا كان له يد زائدة فإن كانت محاذية ليده الأصلية فإنه يجب عليه غسلها وإن كانت طويلة عنها فإنه يجب عليه أن يغسل منها المحاذي لليد الأصلية وأما الزائد عنها فلا يجب عليه غسله ولكنه يندب أن يغسله ثانيها : إذا لصق بيده أو بأصل ظفره طين أو عجين فإنه يجب عليه إزالته وإيصال الماء إلى أصل الظفر وإلا بطل وضوءه وأصل الظفر هو القدر الملصق بلحم الإصبع فإن طال الظفر نفسه حتى خرج عن رأس الإصبع فإنه يجب غسله وإلا بطل الوضوء أما ما تحت الظفر من درن ووسخ " فإن المفتي به أنه لا يضر سواء كان المتوضئ قاطنيا بمدينة أو قرية دفعا للمشقة والحرج ولكن بعض محققي الحنفية يرى ضرورة غسل الأوساخ اللاصقة بباطن الظفر من الأذى على أنهم اغتفروا للخباز الذي تطول أظفاره فيبقى تحتها شيء من العجين لضرورة المهنة ولا يضر أثر الحناء وأثر الصباغة وأما نفس جرم الحناء المتجسد على اليد فإنه يضر لأنه يمنع من وصول الماء إلى البشرة ومن قطع بعض يده وجب عليه أن يغسل ما بقي وإذا قطع محل الفرض كله سقط الغسل الثالث : غسل الرجلين مع الكعبين وهما العظمان البارزان في أسفل الساق فوق القدم ويجب عليه أن يتعهد عقبيه بالغسل بالماء كما يجب عليه أن يتعهد الشقوق التي تكون في باطن القدم فإذا قطع قدمه كله أو بعضه كان حكمه حكم قطع الذراع المتقدم وإذا دهن رجليه أو ذراعيه ثم توضأ فتقطع الماء ولم يقبله العضو بسبب الدسومة فإنه لا يضر وإذا كان برجله شق فوضع فيه مرهما أو نحوه فإن كان يضره إيصال الماء إلى ما تحت المرهم فإنه لا يجب عليه غسله وإلا وجب عليه أن ينزعه ويغسل ما تحته وإذا كان برجله شقوق - تقشف - ونحوه بحيث يضرها الغسل أو وضعها في الماء وإخراجها سريعا بدون ذلك فإنه يسقط عنه فرض غسلها وعليه أن يمسحها بالماء فإن عجز عن مسحها سقط عنه المسح أيضا فلا يجب عليه إلا غسل ما لا يتضرر من غسله الرابع : من فرائض الوضوء مسح ربع الرأس ويقدرون ربع الرأس بكف فالواجب أن يمسح من رأسه بقدر الكف كلها فلو أصاب الماء كف يده ثم وضعها على رأسه من خلف أو أمام أو أي ناحية فإنه يجزئه على أنه لا يلزم أن يكون المسح بنفس الكف فلو أصاب الماء ربع رأسه بأي سبب فإنه يكفي ويشترط للمسح باليد أن يكون بثلاث أصابع على الأقل لأجل أن يصيب الماء ربع الرأس قبل أن يجف إذ لو مسح بأصبعين فقط ربما يجف الماء قبل تحريكهما لمسح باقي الربع فلا يصل الماء إلى القدر المطلوب مسحه فإذا مسح برؤوس الأصابع وكان الماء متقاطرا يمكن أن يصل إلى القدر المطلوب مسحه فإنه يصح وإلا فلا على أن لا يشترط أن يمسح رأسه بماء جديد فلو كانت يده مبلولة فإنه يجزئه ولا يجزئه أن يأخذ البلل من على عضو من أعضائه فلو غسل ذراعه وكانت يده جافة فأخذ البلل من على ذراعه ومسح به فإنه لا يكفي ومن كان شعر رأسه طويلا نازلا على جبهته أو عنقه فمسح عليه . فإنه لا يجزئه لأن الغرض هو أن يمسح نفس ربع الرأس فإن كانت محلوقة . فالأمر ظاهر وإن كان عليها شعر فإنه يجب عليه أن يمسح على الشعر النابت في نفس الرأس فلا بد أن يكون الشعر الممسوح نابتا على جزء من رأسه فإن كان بعض رأسه محلوقا وبعضها غير محلوق فإنه يصح أن يمسح على الربع الذي يختاره وإذا مسح على الشعر ثم حلقه فإن وضوءه لا يبطل وإذا أخذ قطعة من الثلج فمسح بها رأسه أجزأه وإذا غسل رأسه مع وجهه أجزأه عن المسح ولكنه يكره ولا يجوز المسح على العمامة ونحوهما إلا للمعذور كما لا يصح أن تمسح المرأة على ما يغطي رأسها من - منديل أو طرحة - أو نحو ذلك إلا إذا كان خفيفا ينفذ منه الماء إلى الشعر وإذا كان على رأسها خضاب - حناء أو صبغ - فمسحت عليه فإذا تلون الماء بلون الصبغ وخرج عن حكم الماء المتقدم فإنه لا يصح وإلا جاز
فهذه هي فرائض الوضوء عند الحنفية وما عداها فإنه سنة وسيأتيك بيانه قريبا
المالكية قالوا : فرائض الوضوء سبعة :
الفرض الأول : النية ويتعلق بها مباحث : 1 - تعريفها وكيفيتها . 2 - زمنها ومحلها . 3 - شروطها . 4 - مبطلاتها فأما تعريفها وكيفيتها فهي قصد الفعل وإرادته فمن قصد فعل أمر من الأمور فإنه يقال له : نوى ذلك الفعل وكيفيتها في الوضوء هي أن يريد المحدث استباحة ما منعه الحدث الأصغر أو يقصد أداء فرض الوضوء أو يقصد رفع الحدث وظاهر أن محل القصد إنما هو القلب فمتى قصد الوضوء بكيفية من الكيفيات المذكورة فقد نوة ولا يشترط أن يتلفظ بلسانه كما لا يشترط استحضار النية إلى آخر الوضوء فلو ذهل عنها في أثنائه فإنها لا تبطل وأما زمن النية فهو في أول الوضوء فلو غسل بعض الأعضاء بدون نية فإن وضوءه يبطل ويغتفر تقدمها على الفعل بزمن يسير عرفا فلو جلس للوضوء ونواه ثم جاء الخادم بافبريق وصب على يديه ولم ينو بعد ذلك فإن وضوءه يصح لأنه لم يفصل بين وضوئه وبين النية فاصل كثير وقد عرفت أن محلها القلب وأما شروطها فهي ثلاثة : الإسلام التمييز الجزم فإذا نوى غير المسلم فعل عبادة من العبادات فإن نيته لا تصح وكذا إذا نوى الصغير الذي لا يميز التكاليف الدينية ولا يعرف معنى الإسلام ومثله المجنون أما الصبي المميز فإن نيته تصح وكذا إذا تردد في النية فإنها لا تصح فإذا قال في نفسه : نويت الوضوء إن كنت قد أحدثت فإن نيته لا تصح بل لا بد من الجزم بالنية وأما ما يبطل النية فهو أن يرفضها أثناء وضوئه بمعنى أنه ينوي إبطال الوضوء وعدم الاعتداد به أما إذا رفضها بعد تمام الوضوء فإنه لا يضر لأن الوضوء بعد تمامه يقع صحيحا فلا يبطله إلا ما ينقضه من النواقض الآتي بيانها
الفرض الثاني : من فرائض الوضوء غسل الوجه وحد الوجه طولا وعرضا هو الحد الذي ذكره الحنفية إلا أن المالكية قالوا : إن البياض الذي فوق وتدي الأذنين المتصل بالرأس من أعلى لا يجب غسله بل مسحه لأنه من الرأس لا من الوجه ومثله شعر الصدغين فإنه من الرأس لا من الوجه أما الحنفية فإنهم يقولون : إنه من الوجه فغسله فرض لا بد منه
الفرض الثالث : غسل اليدين مع المرفقين ويجب عندهم ما يجب عند الحنفية من غسل تكاميش الأنامل وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل ويقولون : إن وسخ الأظفار يعفى عنه إلا إذا تفاحش وكثر
الفرض الرابع : مسح جميع الرأس ويبتدئ حد الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد من الأمام وينتهي إلى نقرة القفا من الخلف ويدخل فيه شعر الصدغين والبياض الذي خلفه فوق وتدي الأذنين كذلك يدخل البياض الذي فوق الأذنين المتصل بالرأس وإذا طال شعر الرأس كثيرا أو قليلا فإنه يجب مسحه عندهم وإذا ضفر أحد شعره فإنه يجب عليه أن ينقضه عندهم بشرط أن يضفره بثلاثة خيوط . أما إذا ضفره بخيطين فأقل فإن كان تضفيره شديدا فإنه يجب نقضه وإن كان خفيفا فإنه لا يضر وكذا لا يضر إذا ضفر الشعر بلا خيط سواء شفره بشدة أو لا . فالشرط في نقض الشعر عند المسح أن يضفره بخيوط . كما يفعل بعض أهل القرى . أما ما هو متعارف عند جمهور المصريين من جمع الشعر بغير تضفير . فإنه لا يضر . كما لا يضر تضفيره بغير خيط . وقد عرفت أن مذهب الحنفية أنه يكتفي بمسح ربع الرأس مطلقا . وسيأتي مذهب الشافعية . وفيه سعة أكثر من ذلك . فإنه يكتفي عندهم بمسح أي جزء . قليلا كان أو كثيرا وإذا غسل رأسه فإنه يكفيه عن مسحها إلا أنه مكروه . لأن الله أمر بالمسح لا بالغسل وإن مسح شعر رأسه ثم أزاله فإنه لا يجب عليه تجديد المسح . حتى ولو كشط الجلد بعد المسح وهذا متفق عليه أما ظاهر الأذنين فإنه لا يجب مسحهما لأنهما ليستا من الرأس . وهذا متفق عليه إلا سنة الحنابلة فإنهم قالوا : إنهما من الرأس كما ستعرف في مذهبهم
الفرض الخامس : غسل الرجلين مع الكعبين . وقد عرفت مما ذكر في مذهب الحنفية أن الكعبين هما العظمان البارزان في أسفل ساق الرجل فوق القدم . ويجب عليه أن يغسل الشقوق التي في باطن قدمه وظاهره كما في مذهب الحنفية . وإذا قطع محل الفرض كله سقط التكليف كما تقدم عند الحنفية
( يتبع . . . )

(1/52)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية